جلسة 27 من أغسطس سنة 2002م الطعن رقم 9693 لسنة 46 قضائية

برئاسة السيد الأستاذ المستشار / د. عبدالرحمن عثمان أحمد عزوز.

رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين / على فكرى حسن صالح، ويحيى خضرى نوبى محمد، و محمد ماجد محمود أحمد، وأحمد عبدالحميد حسن عبود.

نواب رئيس مجلس الدولة

وبحضور السيد الأستاذ المستشار/ فريد نزيه حكيم تناغو.

مفوض الدولة

وحضور السيد/ كمال نجيب مرسيس.

سكرتير المحكمة

استيراد وتصدير ـ الموافقات الاستيرادية ـ سلطة جهة الإدارة فى إعادة النظر فى الموافقات السابقة ـ حدودها.

المادة الأولى من القانون رقم 118 لسنة 1975 فى شأن الاستيراد والتصدير.

المادتان (13)، (15) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 66 لسنة 1963 بإصدار قانون الجمارك.

خَوَّل المشرع الوزير المختص سلطة واسعة فى تحديد الأنظمة والإجراءات والقواعد التى تنظم عمليات الاستيراد بما فى ذلك قصر الاستيراد على بلاد الاتفاقيات أو قصره على جهات القطاع العام أو حظر استيراد سلع معينة أو اشتراط الحصول على موافقات مسبقة من جهات أو لجان تحددها تلك القواعد على أن يكون الاستيراد قاصراً على السلع المسموح بتوريدها للبلاد ـ استيراد السلع الأجنبية عبارة عن عملية مركبة من مراحل متتابعة ومترابطة الحلقات، يلتزم خلالها المستورد باستيفاء إجراءات عديدة ومتنوعة، وتبدأ هذه العملية بالحصول على الموافقات الاستيرادية من الجهات الإدارية المعنية وتعتبر كل موافقة مستقلة عن غيرها من موافقات الجهات الأخرى ويلزم دائماً وأبداً أن تكون موافقة كل جهة إدارية فى نطاق اختصاصها وتختلف هذه الجهات تبعاً لنوع السلعة المستوردة ـ وعلى ذلك فكل موافقة استيرادية لها مجالها ونطاقها فلا تتعداهما ثم تلى ذلك مرحلة تعاقد المستورد مع المورد الأجنبى على شراء السلعة محل الموافقات الاستيرادية وسداد قيمتها سواء عن طريق فتح الاعتماد المستندى أو تحصيل مستندى، وتختتم هذه العملية بالحصول على تصريح بالإفراج عن الرسالة المستوردة وتسليمها لمالكها بعد معاينتها وفحصها بمعرفة الجهات المختصة فى نطاق اختصاص كل منها والغايات التى تستهدفها فى إطار الصالح العام للتأكد من مطابقتها للشروط والمواصفات السلعية المقررة ـ الموافقات الاستيرادية التى يتعين على المستورد أن يستوفيها قبل إبرام عقد الاستيراد وفتح الاعتمادات المالية الخاصة بالسلع المستوردة لا ترتب بذاتها لصاحبها مركزًا قانونياً نهائياً ونافذًا فى استيراد السلع الصادرة عنها ـ للوزير المختص ـ إذا ما طرأ بعد صدور الموافقة وقبل التعاقد وقبل فتح اعتماداتها تغيير فى خطة الدولة للاستيراد أو فى أوضاع الميزانية النقدية من شأنه تغيير أسس نظام الاستيراد وقواعده ـ أن يتخذ ما يراه فى شأن الموافقات الاستيرادية السابقة غير المنفذة فى ضوء المتغيرات الجديدة دون أن يكون لأصحاب هذه الموافقات التحدى بفكرة الحق المكتسب أو المركز القانونى المستقر ـ مؤدى ذلك ـ  للجهة الإدارية المختصة طبقاً للقانون سلطة إعادة النظر فى الموافقات الاستيرادية السابقة أو إيقاف ترتيب أى آثار عليها طالما أن أحكام التنظيم الجديد واعتباراته قد اقتضت ذلك ـ إلا أن هذا الأمر يختلف إذا تم تنفيذ الموافقات الاستيرادية وإتمام التعاقد مع المورد الأجنبى وفتح الاعتمادات المستندية اللازمة، إذ ينشأ بذلك لصاحب الموافقة الاستيرادية مركز قانونى ذاتى لا يجوز إهداره أو المساس به ـ تطبيق..

 

الإجــــــــــراءات

فى يوم السبت الموافق 29/7/2000 أودع الأستاذ/ محمد توفيق، المستشار المساعد بهيئة قضايا الدولة، نائبًا عن الطاعنين، قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريراً بالطعن قيد بجدولها تحت رقم 9693 لسنة 46ق.عليا ـ فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى ـ الدائرة الأولى ـ فى الدعوى رقم (27) لسنة 50ق بجلسة 30/5/2000 والقاضى منطوقه “بقبول الدعوى شكلاً، وبإلغاء القرار المطعون فيه، وما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات”.

وطلب الطاعنون ـ للأسباب الواردة بتقرير الطعن ـ الحكم بقبول الطعن شكلاً، وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه وفى الموضوع بإلغائه، والقضاء مجدداً برفض الدعوى مع إلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتى التقاضى.

وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدهم على النحو الثابت بالأوراق.

وقدمت هيئة مفوضى الدولة تقريراً مسبباَ بالرأى القانونى فى الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعاً، وإلزام الطاعنين بصفتهم بالمصروفات.

وعين لنظر الطعن أمام الدائرة السادسة عليا فحص الطعون جلسة 1/1/2001، وبهذه الجلسة قررت تلك الدائرة إحالة الطعن إلى دائرة فحص الطعون بالدائرة الأولى عليا للاختصاص لنظره بإحدى جلسات شهر فبراير 2002 فنظرته بجلسة 4/2/2002 والجلسات التالية لها على النحو الموضح بمحاضرها.  وبجلسة 18/3/2002 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا “الدائرة الأولى ـ موضوع”، وحددت لنظره أمامها جلسة 13/4/2002، وتداولت نظره بهذه الجلسة على النحو الثابت بمحضرها، وبذات الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة 27/8/2002 مع التصريح بتقديم مذكرات لمن يشاء فى شهر.

وبجلسة اليوم صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمــــــــــة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانوناً.

ومن حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تخلص ـ حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق ـ فى أنه بموجب عريضة مودعة قلم كتاب محكمة القضاء الإدارى بتاريخ 1/10/1995 أقام المطعون ضده الدعوى رقم (27) لسنة 50 ق بطلب الحكم بقبول الدعوى شكلاً وفى الموضوع : (أ) بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار السلبى بالامتناع عن الإفراج عن البضائع المستوردة بمعرفة المدعى والواردة تفصيلاً بعريضة الطعن. (ب) وفى الموضوع بإلغاء القرار السلبى من الطاعنين الثانى والثالث بصفتيهما ـ بعدم الإفراج عن رسالة المسدسات المستوردة والصادر قرار مسبق بالموافقة على استيرادها، مع اعتبار القرار السلبى الصادر بالامتناع عن الإفراج كأن لم يكن، مع ما يترتب على ذلك من آثار على سند من القول إنه وعائلته من العاملين بنشاط تجارة الأسلحة استيراداً وبيعاً، وقد تقدم بتاريخ 2/6/1994 بطلب تمويل واردات بالعملات الحرة عن طريق النموذج ملحق (11) من المصرف العربى الدولى / فرع القاهرة الرئيسى ومحل النموذج المذكور رقم طلب (812)
لسنة 1994 وحصل على موافقة وزارة الداخلية ـ مصلحة الأمن العام فى ذات التاريخ على قيامه باستيراد مائة وخمسين مسدساً ماوزر عيار 9 مم وقام بفتح الاعتماد المستندى على ذات النموذج ملحق رقم (11) بالبنك المذكور وذلك لاستيراد الكمية المصرح بها من ألمانيا بقيمة إجمالية مقدارها 24750 مارك ألمانى وفقاً لأحكام القرار الوزارى رقم 275 لسنة 1991، وتم تحويل قيمة البضاعة إلى ألمانيا، وبتاريخ 17/8/1995 أرسلت شركة الاتحاد العربى للنقل “فامكو” بالإسكندرية إلى المدعى كتاباً يفيد شحن البضاعة من ميناء هامبورج ووصولها إلى ميناء الإسكندرية يوم 20/8/1995 ببوليصة شحن رقم 503 على الباخرة الحمراء ـ وأثناء قيامه بالإفراج عن البضاعة رفضت جهة الجمارك الإفراج عن البضاعة المستوردة إلا بعد الحصول على موافقة أخرى من وزارة الداخلية ومصلحة الأمن العام، مع أنه سبق الحصول على الموافقة الأمنية من مصلحة الأمن العام باستيراد كمية المسدسات المشار إليها وأنه ظل على هذا الحال فلا إفراج عن البضاعة المستوردة ولا الحصول على موافقة الأمن العام، الأمر الذى يفيد وجود قرار سلبى صادر من الطاعنين الثانى والثالث بعدم الإفراج عن صفقة المسدسات آنفة الذكر، مختتمًا عريضة دعواه بطلب الحكم بطلباته المتقدمة.

وبجلسة 30/5/2000 حكمت محكمة القضاء الإدارى “الدائرة الأولى” بقبول الدعوى شكلاً، وبإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.

وشيَّدت المحكمة قضاءها ـ بعد استعراض نصوص المواد 15 من القرار بقانون رقم (66) لسنة 1963 بإصدار قانون الجمارك و 12 من القانون رقم 394 لسنة 1954 فى شأن الأسلحة والذخائر ـ على أساس أن الثابت من الأوراق أنه بتاريخ 2/6/1994 قدم المدعى طلباً لمصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية للحصول على ترخيص باستيراد 150 مسدساً عيار 9 مم ماركة ماوزر ألمانى، فصدرت له الموافقة على استيراد هذه الكمية بذات التاريخ وتنفيذاً لذلك تعاقد المدعى مع الشركة الموردة للبضاعة محل الترخيص فى ألمانيا، ووصلت البضاعة فعلاً إلى ميناء الإسكندرية فتقدم بطلب إلى مصلحة الأمن العام بتاريخ 19/11/1994 طالباً منحه تصريحاً بالإفراج عن تلك الرسالة، وصدر له بالفعل التصريح اللازم للإفراج عن المسدسات ونقلها إلى محلاته بالقاهرة وأسيوط وسوهاج وقنا، وذلك بشرط معاينتها للتأكد من مطابقتها للمواصفات، إلا أن هيئة ميناء الإسكندرية رفضت استلامها وتمت إعادتها إلى جهة ورودها لوجود تمزق بالكرتونة، فتقدم المدعى بتاريخ 5/12/1994 بطلب إلى مدير مصلحة الأمن العام شارحاً ما تم من إجراءات، طالبًا إلغاء طلبات الإفراج المقدمة منه بتاريخ 21/11/1994 لحين ورود الرسالة مرة ثانية من ألمانيا، وبتاريخ 14/8/1995 تقدم المدعى بطلب إلى مصلحة الأمن العام يفيد بوصول الرسالة مرة أخرى إلى ميناء الإسكندرية ويطلب إصدار التصريح اللازم للإفراج عنها إلا أن الجهة المذكورة لم تجبه إلى طلبه بحجة سبق تنازله عن تصاريح الإفراج الصادرة له من قبل عن ذات الرسالة وطالبته باتخاذ إجراءات جديدة للحصول على ترخيص باستيراد المسدسات المشار إليها وهو ما ينطوى على مساس غير مشروع بالمركز القانونى للمدعى باعتباره مرخصاً له من قبل باستيراد رسالة المسدسات المشار إليها، بل وقام باستعمال حقه المخول له بمقتضى هذا الترخيص بأن تعاقد على الصفقة الصادر بشأنها، ومن ثَمَّ فمن حقه الاستفادة من كل أثر من الآثار المترتبة على إصدار الترخيص وآخرها إتمام عملية الاستيراد، وهو ما كان يستوجب من الجهة الإدارية منحه الترخيص اللازم للإفراج عن البضاعة تنفيذاً للترخيص الصادر له من قبل بالاستيراد، الأمر الذى يشكل معه امتناع الجهة الإدارية عن منحه هذا التصريح قراراً إدارياً سلبياً مخالفاً للقانون.

ومن حيث إن مبنى الطعن المقام من جهة الإدارة مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون والخطأ فى تطبيقه وتأويله لأسباب حاصلها أن المطعون ضده تقدم بطلب بتاريخ 5/12/1994 يفيد تنازله عن طلب الإفراج الصادر له من وزارة الداخلية عن الرسالة موضوع التداعى وإعادة شحن الرسالة إلى ألمانيا بسبب وجود عجز بهذه الرسالة، وأن ذلك كله راجع إلى إرادته هو، وليس لجهة الإدارة ثمة تدخل من قريب أو بعيد بمنع دخول البضاعة المستوردة إلى البلاد، كما لم تمتنع عن إصدار مثل هذا القرار خلال مدة سريان التصريح والتى نصت عليها المادة 17 من قانون الأسلحة والذخائر رقم (394) لسنة 1954، وبذلك ينتفى فى حق جهة الإدارة ثمة مسلك سلبى بالامتناع عن الترخيص للمطعون ضده بدخول البضاعة إلى البلاد، كما أنه من جهة أخرى فقد صدر للمطعون ضده تصريح باستيراد المسدسات موضوع الرسالة منذ 2/6/1994 وتمت الموافقة له على الإفراج عنها فى 21/11/1994 وقد مضى على التصريح باستيراد تلك المسدسات أكثر من عام دون أن يقوم المطعون ضده بالإفراج عنها، وبالتالى فإن الموافقة سالفة الذكر من قِبل جهات الأمن تعتبر كأن لم تكن لمرور أكثر من سنة على تلك الموافقة طبقاً لنص القانون آنف الذكر ويتعين على المطعون ضده اتخاذ إجراءات الاستيراد من جديد للحصول على ترخيص جديد باستيراد أية أسلحة، وإذ لم يتخذ المطعون ضده مثل تلك الإجراءات فإنه لا يكون هناك ثمة قرار إدارى سواء فى صورته الإيجابية
أو السلبية يمكن نسبته لجهة الإدارة.

ومن حيث إنه بالنسبة لما ساقته جهة الإدارة من أوجه نعى على الحكم الطعين والتى توجز أنه ليس ثمة إلزام على جهة الإدارة بإصدار تصريح جديد بالإفراج عن البضاعة موضوع التداعى بعد أن تنازل المطعون ضده بإرادته عن ترخيص الإفراج الصادر إليه من وزارة الداخلية، فضلاً عن أن الموافقة الاستيرادية الصادرة له سقطت بمضى المدة طبقاً لنص المادة (17) من القانون رقم (394) لسنة 1954 فى شأن الأسلحة والذخائر فلا وجه لكل ما تقدم، ذلك أن المادة الأولى من القانون رقم (118) لسنة 1975 فى شأن الاستيراد والتصدير تنص على أنه : ” يكون استيراد احتياجات البلاد السلعية عن طريق القطاعين العام والخاص وذلك وفق أحكام الخطة العامة للدولة وفى حدود الموازنة النقدية السارية……….

ويصدر وزير التجارة قراراً بتحديد الإجراءات والقواعد التى تنظم عمليات الاستيراد ………).

ومن حيث إن المادة (13) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم (66) لسنة 1963 بإصدار قانون الجمارك تنص على أنه “كل بضاعة تدخل الجمهورية أو تخرج منها يجب أن يقدم عنها بيان وأن تعرض على السلطات فى أقرب فرع جمركى وفقاً لما تحدده مصلحة الجمارك”.

كما تنص المادة (15) من ذات القانون على أنه “تعتبر ممنوعة كل بضاعة لا يسمح باستيرادها أو تصديرها، وإذا كان استيراد البضائع أو تصديرها خاضعاً لقيود من أية جهة كانت فلا يسمح بإدخالها أو إخراجها ما لم تكن مستوفية للشروط المطلوبة”.

وتنص المادة (12) من القانون رقم 394 لسنة 1954 فى شأن الأسلحة والذخائر على أنه “لا يجوز بغير ترخيص من وزير الداخلية أو من ينيبه عنه استيراد الأسلحة المنصوص عليها فى المادة الأولى وذخائرها والاتجار بها أو صنعها أو إصلاحها، ويبين فى الترخيص مكان سريانه ولا يجوز النزول عنه.

ولوزير الداخلية أو من ينيبه عنه رفض إعطائه، كما له تقصير مدته أو قصره على أنواع معينة من الأسلحة والذخائر أو تقييده بما يراه من شروط لمصلحة الأمن العام وله سحبه فى أى وقت أو إلغاؤه على أن يكون قراراه فى حالتى السحب والإلغاء مسبباً.

وتنص المادة (17) من القانون سالف الذكر على أنه “يسرى التصريح بالكميات المصرح باستيرادها لمدة ستة أشهر ويجوز مدها ستة أشهر أخرى، ويصادر إدارياً كل سلاح أو ذخيرة استورد بدون ترخيص سابق من وزارة الداخلية”.

ومن حيث إن مفاد النصوص المتقدمة أن الاستيراد والتصدير وهما من المقومات الرئيسية للتجارة الخارجية يهيمن على التنظيم القانونى لهما أحكام الخطة العامة للدولة ونظامها الاقتصادي وأوضاع الموازنة التقديرية السارية، ولذلك خَوَّل المشرع الوزير المختص (وزير التجارة الخارجية) سلطة واسعة فى تحديد الأنظمة والإجراءات والقواعد التى تنظم عمليات الاستيراد بما فى ذلك قصر الاستيراد على بلاد الاتفاقيات أو قصره على جهات القطاع العام أو حظر استيراد سلع معينة أو اشتراط الحصول على موافقات مسبقة من جهات أو لجان تحددها تلك القواعد، على أن يكون الاستيراد قاصراً على السلع المسموح بتوريدها للبلاد، وحيث إن استيراد السلع الأجنبية عبارة عن عملية مركبة من مراحل متتابعة مترابطة الحلقات، يلتزم خلالها المستورد باستيفاء إجراءات عديدة ومتنوعة، وتبدأ هذه العملية بالحصول على الموافقات الاستيرادية من الجهات الإدارية المعنية وتعتبر كل موافقة مستقلة عن غيرها من موافقات الجهات الأخرى ويلزم دائماً وأبداً أن تكون موافقة كل جهة إدارية فى نطاق اختصاصها وتختلف هذه الجهات تبعاً لنوع السلعة المستوردة، وعلى ذلك فكل موافقة استيرادية لها مجالها ونطاقها فلا تتعداهما، ثم تلى ذلك مرحلة تعاقد المستورد مع المورد الأجنبى على شراء السلعة محل الموافقات الاستيرادية وسداد قيمتها سواء عن طريق فتح الاعتماد المستندى أو تحصيل مستندى وهو ما يعرف فى اصطلاح التجارة الدولية بنظام الشحن ضد المستندات أو المستندات للتحصيل، وتختتم هذه العملية بالحصول على تصريح بالإفراج عن الرسالة المستوردة وتسليمها لمالكها بعد معاينتها وفحصها بمعرفة الجهات المختصة فى نطاق اختصاص كل منها والغايات التى تستهدفها فى إطار الصالح العام للتأكد من مطابقتها للشروط والمواصفات السلعية المقررة.

ومن حيث إن الموافقات الاستيرادية التى يتعين على المستورد أن يستوفيها قبل إبرام عقد الاستيراد وفتح الاعتمادات المالية الخاصة بالسلع المستوردة لا ترتب بذاتها لصاحبها مركزًا قانونيًا نهائياً ونافذاً فى استيراد السلع الصادرة عنها إنما يجوز للوزير المختص (وزير التجارة الخارجية) باعتباره الجهة المختصة التى خَوَّلها المشرع تنظيم الاستيراد وتحديد قواعده إذا ما طرأ بعد صدور الموافقة وقبل التعاقد وقبل فتح اعتماداتها تغيير فى خطة الدولة للاستيراد
أو فى أوضاع الميزانية النقدية من شأنه تغيير أسس نظام الاستيراد وقواعده أن يتخذ ما يراه فى شأن الموافقات الاستيرادية السابقة غير المنفذة فى ضوء المتغيرات الجديدة دون أن يكون لأصحاب هذه الموافقات التحدى بفكرة الحق المكتسب أو المركز القانونى المستقر، وعلى ذلك يكون من سلطة الجهة الإدارية المختصة طبقاً للقانون إعادة النظر فى الموافقات الاستيرادية السابقة أو إيقاف ترتيب أى آثار عليها طالما أن أحكام التنظيم الجديد واعتباراته قد اقتضت ذلك، إلا أن هذا الأمر يختلف إذا تم تنفيذ الموافقات الاستيرادية وإتمام التعاقد مع المورد الأجنبى وفتح الاعتمادات المستندية اللازمة إذ ينشأ بذلك لصاحب الموافقة الاستيرادية مركز قانونى ذاتى لا يجوز إهداره أو المساس به.

ومن حيث إنه بتطبيق ما تقدم على واقعة النزاع، فإنه لما كان الثابت من الأوراق أن المطعون ضده تقدم بطلب لمصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية مؤرخ فى 2/6/1994 للموافقة له على استيراد 150 مسدساً ـ عيار 9 مم ماركة ماوزر ألمانى ـ بلد المنشأ ألمانيا ـ وبذات التاريخ صدرت له موافقة الجهة المذكورة على استيراد هذه الكمية، على ألا يتم الإفراج عنها إلا بعد الرجوع للأمن العام لوضع الاشتراطات الأمنية اللازمة.

ونفاذًا للموافقات الاستيرادية الحاصل عليها المطعون ضده تعاقد مع المورد الأجنبى على شراء السلعة محل الترخيص وقام بفتح الاعتماد المستندى برقم 207548 بتاريخ 3/10/1994 بقيمة إجمالية قدرها (24750) مارك ألمانى قيمة هذه البضاعة عن طريق المصرف العربى الدولى فرع القاهرة الرئيسى وحوَّل المبلغ إلى المورد الألمانى فى الخارج واستلمه على النحو المبين فى معرض تحصيل الوقائع ولم تدحضه جهة الإدارة، وبتاريخ 19/11/1994 تقدم المطعون ضده بطلب لمصلحة الأمن العام يفيد وصول الرسالة المستوردة لجمرك مدينة الإسكندرية البحرى طالبًا منحه تصريحًا بالإفراج عن مشمول تلك الرسالة، فوافقت تلك المصلحة على الإفراج عن الرسالة، وأصدرت له تصاريح بالإفراج عن المسدسات المستوردة مؤرخة فى 21/11/1994 ونقلها لمحلاته بالقاهرة وأسيوط وسوهاج وقنا إلا أن مصلحة الجمارك رفضت الإفراج عن الرسالة موضوع التداعى بعد أن تبين لمندوب تلك المصلحة وفى حضور مندوب التوكيل الملاحى ومندوب وزارة الداخلية وجود عجز فى الرسالة بعد جرد محتويات الكرتونة المشحونة فيها البضاعة ووجود تمزق فى الكرتونة وتم إعادة شحن الرسالة إلى المورد الأجنبى.

وعلى إثر ذلك تقدم المطعون ضده بتاريخ 5/12/1994 بطلب لمدير مصلحة الأمن ـ إدارة الرخص ـ مرفقاً به أذون الإفراج التى استلمها ملتمساً الموافقة على إلغاء الطلبات المقدمة منه بتاريخ 21/11/1994 عن الإفراج عن عدد مائة وخمسين مسدسًا لمحلاته لأن الرسالة تم إعادة شحنها إلى جهة ورودها، ورفضت هيئة ميناء الإسكندرية البحرى استلامها لوجود تمزق بالكرتونة التى بها المسدسات ولحين ورود الرسالة مرة ثانية من ألمانيا.

وبتاريخ 14/8/1995 تقدم المطعون ضده بطلب لمصلحة الأمن العام يفيد وصول ذات الرسالة مرة أخرى إلى ميناء الإسكندرية وطلب الإذن بالإفراج عنها إلا أن تلك المصلحة امتنعت فى إعطائه تراخيص بالإفراج حتى يتسنى له تسلمها ونقلها إلى محلاته.

ومن حيث إنه من المقرر أن قاضى المشروعية لا يملك أن يصدر أمرًا إلى الجهة الإدارية وإنما يقتصر اختصاصه ـ طبقاً لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة ـ على إجراء رقابة المشروعية على
ما تصدره الجهة الإدارية أو تمتنع عن إصداره من قرارات متى كانت ملزمة قانوناً بذلك فيحكم بإلغاء القرار المعيب فى الحالة الأولى وبإلغاء القرار السلبى بالامتناع فى الحالة الثانية.

ومن حيث إنه متى ثبت ما تقدم وكان الثابت من مطالعة الأوراق أن جهة الإدارة أفصحت عن أسباب امتناعها عن إعطاء المطعون ضده أذون الإفراج المطالب بها وتنحصر فى أنه سبق أن صدرت له تصاريح باستيراد المسدسات موضوع الدعوى منذ 2/6/1994 وتمت الموافقة له على الإفراج عنها بتاريخ 21/11/1994 ومضى على التصريح باستيرادها أكثر من عام دون أن يقوم بالإفراج عنها، فتعتبر هذه الموافقة الاستيرادية كأن لم تكن عملاً بحكم المادة (17) من قانون الأسلحة والذخائر رقم (394) لسنة 1954 ويتعين عليه اتخاذ إجراءات جديدة لاستيراد أية أسلحة ولم تذكر أى سبب آخر لامتناعها عن منح المطعون ضده التصاريح اللازمة للإفراج عن الرسالة المشار إليها بحسبان أن الإفراج عن الأسلحة مقيد بما تراه من الاشتراطات الأمنية اللازمة.

ومن حيث إنه لا صحة للقول بأن الموافقة الاستيرادية تعتبر كأن لم تكن على النحو المتقدم، ذلك أنه لا خلاف بين أطراف الخصومة أن المطعون ضده (المستورد) قد تعاقد مع المورد الأجنبى وفتح الاعتماد المستندى قبل مضى سنة على تاريخ صدور الموافقة الاستيرادية الصادرة له من مصلحة الأمن بتاريخ 2/6/1994 ولذلك فلا وجه للقول بسقوط الموافقة الاستيرادية بعد أن قام المستورد بتنفيذها فى أرض الواقع وترتب فى ذمته التزامات فى مواجهة البنوك والمورد الأجنبى واكتسب مركزاً قانونياً لا يجوز المساس به بغير موجب من القانون، كما أن رسالة المسدسات مثار النزاع الماثل واردة على قوة اعتمادات مستندية سبق فتحها طبقاً لما سلف بيانه، فضلاً عن أن طلب المطعون ضده المؤرخ 5/12/1994 بإلغاء تصاريح الإفراج الصادرة له والتى تسلمها من مصلحة الأمن العام المشار إليه سلفاً لا يعنى عدوله عن التعاقد مع المورد الأجنبى أو إلغاءه وإنما صريح عبارات الطلب ومبنى ألفاظه تفيد أنه يعنى أن أذون الإفراج التى تسلمها أصبح لا محل لها بعد إعادة شحن الرسالة الصادرة بشأنها تلك التصاريح إلى الخارج، وبسبب خارج عن إرادة المطعون ضده وأنه يطلب إعادة منحه هذه الأذون بعد إعادة شحن ذات الرسالة من الخارج ووصولها إلى ميناء الإسكندرية، وعلى ذلك يكون القرار المطعون فيه بالامتناع عن التصريح بالإفراج عن الرسالة يكون مخالفاً للقانون لانتفاء السبب الموجب له من القانون والواقع لما ينطوى عليه من المساس بالحقوق المكتسبة والمراكز القانونية المستقرة،الأمر الذى يتعين معه إلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.

ومن حيث إنه ترتيبًا على ما تقدم، يكون الحكم المطعون فيه، وقد انتهى فى منطوقه إلى ذات النظر المتقدم، فإنه يكون قد أصاب صحيح حكم القانون، الأمر الذى يتعين معه الحكم بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً مع إلزام الطاعنين بصفاتهم المصروفات عملاً بحكم المادة (184) من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة

بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً، وألزمت الطاعنين بصفاتهم المصروفات.

error: المحتوى محمي من النسخ او الطباعة