جلسة 24 من نوفمبر سنة 2002م الطعن رقم 3192 لسنة 44 قضائية

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/عادل محمود ذكى فرغلى.

نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ إبراهيم على إبراهيم، ومحمد الشيخ أبو زيد، وعبد المنعم أحمد عامر، ومحمد لطفى عبدالباقى جوده.

                                                   نواب رئيس مجلس الدولة

وبحضور السيد الأستاذ المستشار الدكتور/ محمد عمر.

                                                                مفوض الدولة

وحضور السيد/ خالد عثمان

سكرتير المحكمة

سلك دبلوماسى وقنصلى ـ الترقية لوظائف الإدارة العليا ـ وظيفة سفير من الفئة الممتازة ـ سلطة جهة الإدارة فى الاختيار ـ مفهوم الصلاحية والكفاية.

المواد (19)، (21)، (33) من القانون رقم 45 لسنة 1982 بشأن نظام السلك الدبلوماسى والقنصلى.

لجهة الإدارة الحق فى اختيار كبار موظفيها من شاغلى الوظائف القيادية العليا الذين تأنس فيهم القدرة على القيام بما تتطلبه منهم للنهوض بها وتنفيذ السياسة التى ترسمها باعتبارها المهيمنة على مصالح الدولة المختلفة والمسئولة عن حسن تصريف أمورها وتسيير المرافق العامة بها على وجه يحقق الصالح العام، فلازم ذلك أن يترك لها قدر واسع من الحرية فى اختيار من ترى فيهم الصلاحية لشغل تلك الوظائف تحقيقاً لذلك الغرض وبغير ذلك يصاب الجهاز الحكومى بالشلل وتقف السلطة التنفيذية مغلولة الأيدى بالنسبة لمن ترى فيهم الصلاحية والقدرة على تنفيذ سياستها وتسيير المرافق العامة على أحسن وجه الأمر الذي يوجب أن يترك لها حرية اختيار كبار موظفيها من شاغلى الوظائف العليا والقيادية وتقديرها في ذلك  مطلق من كل قيد طالما خلا من إساءة استعمال السلطة وهو أمر لا يكفى فى إثباته فى هذا المجال مجرد خلو ملف الموظف من الشوائب أو كونه كفئاً فى أداء عمله من عدمه، وإذا كان هذا الحق مقررًا للحكومة بصفة عامة باعتبارها المسئولة عن إدارة المرافق فى البلاد فإن هذا الحق يتأكد بصفة خاصة فى مجال السلك الدبلوماسى والقنصلى ـ مفهوم الصلاحية والكفاية والامتياز لا يقتصر على كفاية عنصر السلك الدبلوماسى وقدراته الفنية وحسن أدائه لعمله فحسب وإنما يتسع ليشمل مسلكه داخل العمل وخارجه وما يعلق بسلوكه من شوائب تنال من جدارته وأهليته وصلاحيته  ولا وجه للاقتصار فى مجال التقييم والاختيار على ملف الخدمة وما يحويه من تقارير ذلك أنه إذا كان الأصل أن ملف الخدمة هو الوعاء الطبيعى للحياة الوظيفية إلا أنه ليس وحده مصدر المعلومات لأنه لا يشمل حتماً كل ما يتعلق بعضو السلك الدبلوماسى من معلومات أو بيانات أو عناصر أخرى لها وزنها وأثرها في التقرير وقد تغيب عن تلك التقارير ولكنها لا تغيب عن ذوى الشأن عند النظر فى الترقيات إلى الوظائف التي تقع على قمة وظائف السلك الدبلوماسى، حيث يتم الاعتماد إلى جانب ملف الخدمة وما يحويه من تقارير على ما يُسْتقى من معلومات وبيانات بواسطة الأجهزة الرسمية المخصصة لاستجماع هذه البيانات والمعلومات لتكون أساسًا فى الاختيار ـ وظيفة سفير من الفئة الممتازة،تقع على قمة الهيكل الوظيفى فى السلك الدبلوماسى والقنصلى وتتطلب فى شاغلها الكفاية والجدارة والتميز الفائق فى العمل وأدائه، ومن ثم فلا يكفى فى هذا المجال للدلالة على صلاحية عضو السلك الدبلوماسى للترقية إلى هذه الوظيفة القول بأنه لم توقع عليه أية جزاءات أو لم تجر معه أية تحقيقات أو ينسب إليه أى قصور فى أدائه لعمله لأن متطلبات الوظيفة المشار إليها تقتضى فيمن يشغلها قدرات عالية وتميزًا خاصًا فى العمل وفى الصفات والسمات الشخصية وما اكتسبه من خبرة ودراية على مدى حياته الوظيفية وما يتجمع لدى جهة الإدارة من عناصر وأمور تعينها على إقامة مقاييس التفاضل بالقسط وتقديرها فى هذا الشأن لا معقب عليه من القضاء متى نأى عن شائبة إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها ـ تطبيق.

الإجــــــراءات

فى يوم الأحد الموافق 1/3/1998 أودع الأستاذ/ رجاء زيد (المحامى) نائباً عن الأستاذ/ محمد كمال عباس (المحامى) بصفته وكيلاً عن الطاعن قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريراً بالطعن قيد برقم 3192 لسنة 44 ق. ع فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى دائرة الترقيات بجلسة 3/1/1998 فى الدعوى رقم 7598/50 ق والذى قضى بقبول الدعوى شكلاً ورفضها موضوعاً وإلزام المدعى المصروفات.

وطلب الطاعن للأسباب الواردة بتقرير الطعن الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الإدارة بالمصروفات ومقابل أتعاب عن الدرجتين.

وأعلنت عريضة الطعن على النحو الثابت بالأوراق.

وأودعت هيئة مفوضى الدولة تقريراً بالرأى القانونى ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطى الطاعن فى الترقية إلى وظيفة سفير من الفئة الممتازة مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.

ونظر الطعن أمام الدائرة السابعة (فحص) التى أحالته إلى هذه الدائرة وذلك على النحو الثابت بمحاضر الجلسات.

وبجلسة 3/7/2002 قررت المحكمة إصدار الحكم فى الطعن بجلسة 13/10/2002 مع التصريح بمذكرات خلال أسبوعين.

وقد انقضى الأجل دون إيداع أية مذكرات.

وبجلسة الحكم قررت المحكمة إعادة الطعن للمرافعة لذات الجلسة لتغير تشكيل الهيئة وفيها أيضاً قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم حيث صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به.

المحكمـــــــــة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.

ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية .

ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تخلص حسبما يبين من الأوراق فى أنه بتاريخ 24/6/1996 أقام الطاعن الدعوى رقم 7598/50ق. بإيداع عريضتها قلم كتاب محكمة القضاء الإدارى (دائرة الترقيات) طالباً الحكم بقبول الدعوى شكلاً وفى الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطيه فى الترقية إلى وظيفة سفير من الفئة الممتازة وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الجهة الإدارية المصروفات وأتعاب المحاماة.

وقال شرحاً لدعواه إنه يشغل وظيفة نائب مساعد وزير الخارجية للعلاقات الثقافية الدولية وبتاريخ 14/5/1996صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 161/96 بترقية بعض السفراء إلى وظيفة سفير ممتاز متخطياً إياه فى الترقية بمن هم أحدث منه فى الأقدمية فتظلم من ذلك القرار في 22/6/1996 ونعى المدعى على القرار المطعون فيه صدوره مشوباً بعيوب مخالفة القانون والانحراف بالسلطة ومجاوزة حدود الصالح العام لأن الترقية إلى وظيفة سفير من الفئة الممتازة تتم بالاختيار للصلاحية والكفاية والامتياز طبقاً لتقييم مستوى كفاية الأداء ولا يجوز تخطى الأقدم بالأحدث إلا إذا كان هذا الأخير ظاهر الكفاية وقد تحققت كافة شروط الصلاحية فى حقه ولازالت حيث كان يشغل منصب سفير مصر فى دولة النيجر فى المدة من 1989حتى 1993 ويشغل حالياً منصب مساعد وزير الخارجية لشئون العلاقات الثقافية الدولية وهو ما يكشف عن كفايته وجدارته وتميزه فى الداخل والخارج الأمر الذى يكون معه القرار المطعون فيه قد خالف صحيح حكم القانون جديراً بالإلغاء.

وبجلسة 3/1/1998 حكمت محكمة القضاء الإدارى “دائرة الترقيات” بقبول الدعوى شكلاً ورفضها موضوعاً وألزمت المدعى المصروفات.

وأقامت قضاءها بعد استعراض حكم المادة 33 من قانون السلك الدبلوماسى والقنصلى الصادر بالقانون رقم45/82 على أن الترقية إلى وظيفة سفير من الفئة الممتازة تتم بالاختيار على أساس الصلاحية والكفاية والامتياز وعند التساوى فى شروط الاختيار يتعين التقيد بالأقدمية وقد اعتدت جهة الإدارة عند المفاضلة بين المرشحين على مجموع تقارير الكفاية التي حصل عليها المرشح طوال خدمته بها وذلك للوصول إلى أفضلهم من ناحية الصلاحية والكفاية والامتياز وقد وضع عن المدعي 23 تقرير كفاية حصل على مرتبة ممتاز فى 11 تقريرًا منها، 8 بمرتبة جيد، 3 بمرتبة فوق المتوسط،  تقرير بمرتبة متوسط وكان زملاؤه التالون له فى الأقدمية أكثر كفاية منه فى هذا العنصر فقد حصل السفير حسن عيسى السيد عيسى على 19 تقرير كفاية منها 13 بمرتبة ممتاز، 7 بمرتبة جيد وحصل السفير فؤاد محمود محمد يوسف على 21 تقرير كفاية منها 13 بمرتبة ممتاز، 5 بمرتبة جيد وحصل السفير أحمد صبرى عبد الفتاح يونس على 23 تقرير كفاية منها 16 بمرتبة ممتاز، 7 بمرتبة جيد وحصلت السفيرة مرفت مهنى تلاوى على 13 تقرير كفاية منها 10 بمرتبة ممتاز، 3 بمرتبة جيد وحصل السفير عبد الخالق حسونة على 13 تقرير كفاية جميعها بمرتبة ممتاز وحصل السفير/ إبراهيم بدوى الشيخ على 15 تقرير كفاية10منها بمرتبة ممتاز، 4 بمرتبة جيد وتقرير بمرتبة فوق المتوسط ومن ثم يكون زملاء المدعى المطعون عليهم أكثر تفوقاً لا فى عناصر الكفاية والتميز ولا تثريب على جهة الإدارة إن هى أخذت بهذا المعيار للوصول إلى أكثر المرشحين صلاحية وكفاية وامتيازاً لشغل الوظيفة المطعون عليها ويكون القرار المطعون فيه قد صدر متفقاً وصحيح حكم القانون وتكون المطالبة بإلغائه جديرة بالرفض.

ومن حيث إن أسباب الطعن الماثل تتحصل فى أن الحكم المطعون فيه قد صدر مشوباً بالخطأ فى تطبيق القانون والقصور فى التسبيب ذلك أنه اعتمد عند المفاضلة بين المرشحين على عنصر واحد فقط هو عنصر العدد الحسابى لتقارير الكفاية إذ أن هذه التقارير لا تغطى مجمل حياة العضو الدبلوماسى الوظيفية وإنما تغطى الحقبة الأولى منها وهى الفترة من وظيفة ملحق حتى وظيفة مستشار فقط وذلك على النحو المنصوص عليه في المادة 21 من القانون رقم 45 / 82 بنظام السلك الدبلوماسى والقنصلى ومن ثم فإن الوزراء والوزراء المفوضين حاملى لقب سفير فوق العادة ” والسفراء من الفئة الممتازة لا يخضعون أصلاً لنظام تقارير كفاية وتقييم الأداء ولا يتصور أن تجرى مفاضلة بين بعض من السفراء المرشحين للترقية إلى سفراء من الفئة الممتازة استناداً إلى عدد من التقارير حررت عنهم ووقفت بهم عند وظيفة مستشار والصحيح أن يضاف إلى ذلك باقى العناصر التى تتصل بعملهم فى مناصبهم العليا التى تقلدوها بعد وظيفة وزير مفوض ثم سفير وتقييم العمل المسند إليهم وقت ترشيحهم للترقية وقد توافرت كافة عناصر التميز والكفاية والخبرة لدى الطاعن حيث عين سفيراً لمصر فى النيجر لمدة أربع سنوات وهى من البلاد ذات المعيشة بالغة الصعوبة فى تقييم مناطق الخدمة فى الخارج ومدة الخدمة بها سنتان فقط يمكن مدها لسنة ثالثة الامر الذي يؤكد أن أداء الطاعن فى رئاسة البعثة بدولة النيجر كان محل تقدير الجهة الإدارية وهو عنصر يحسب لصالحه كما تمت ترقيته إلى منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشئون العلاقات الثقافية الدولية بالقرار الوزارى رقم 1476 بتاريخ 1/6/1995 وهو منصب لا يسند إلا لمن ثبتت جدارته وكفايته وتميزه حيث يرأس السفراء والسفراء الممتازين الذين يتولون رئاسة إدارات تقع تحت إشرافه ويوقع نيابة عن وزير الخارجية الاتفاقيات والبروتوكولات الثقافية مع مختلف دول العالم ويرأس العديد من اللجان كما أن الطاعن هو الوحيد بين سائر المرشحين الذي حصل على أعلى الدرجات العلمية فى تخصصه وهى درجة الدكتوراه فى العلوم السياسية من جامعة روما.

ومن حيث إن المادة (19) من القانون رقم 45/82 بنظام السلك الدبلوماسى والقنصلى تنص على أن “ينشأ بوزارة الخارجية جهاز للتفتيش والصلاحية وتقييم مستوى كفاية الأداء يصدر بتشكيله وتنظيمه وكيفية مباشرته لاختصاصاته قرار من وزير الخارجية ويختص هذا الجهاز بما يلى:

1ـ إعداد ما يرى وزير الخارجية أو مجلس السلك إعداده من تقارير أو بيانات تتعلق بمستوى كفاية الأداء فى أى من البعثات الدبلوماسية أو الديوان العام.

2ـ تقييم مستوى كفاية الأداء بالنسبة لأعضاء السلك الدبلوماسى ممن لا يخضعون لنظام تقارير الكفاية السنوية وتُعرض التقارير التى يعدها الجهاز على مجلس السلك لاتخاذ ما يلزم من توصيات بشأنها قبل العرض على وزير الخارجية.

وبتاريخ 10/10/1995صدر قرار وزير الخارجية رقم 3039/95 بتشكيل جهاز التفتيش والصلاحية وتقييم مستوى كفاية الأداء متضمنًا النص فى مادته الرابعة على أن يختص الجهاز بما يلى:

1ـ إعداد ما يرى وزير الخارجية أو مجلس السلك الدبلوماسى والقنصلى إعداده من تقارير أو بيانات تتعلق بتقييم مستوى كفاية الأداء فى أى من البعثات التمثيلية فى الخارج أو المكاتب والإدارات ….

2ـ تقييم مستوى كفاية الأداء بالنسبة لأعضاء السلك الدبلوماسى والقنصلى ممن لا يخضعون لنظام تقارير الكفاية السنوية وهم من درجة وزير مفوض فما فوقها بما فى ذلك تقييمهم عند النظر فى الترقية أو المرشح لرئاسة بعثه تمثيلية فى الخارج فى ضوء ما قرره القانون.

وتنص المادة 21 من القانون رقم 45/82 المشار إليه على أن “يخضع أعضاء السلك من درجة ملحق لدرجة مستشار لنظام تقارير كفاية الأداء …….”.

ومن حيث إن المشرع قد أخضع أعضاء السلك الدبلوماسى والقنصلي من درجة ملحق لدرجة مستشار لنظام تقارير كفاية الأداء أما ما عدا هؤلاء الأعضاء ممن يشغلون وظائف تعلو وظيفة مستشار وهى وظيفة وزير مفوض حتى وظيفة سفير من الفئة الممتازة والتى تقع على قمة وظائف السلك الدبلوماسى والقنصلى فقد أناط المشرع بجهاز التفتيش والصلاحية وتقييم مستوى كفاية الأداء بالنسبة لهم وكذا التقييم عند النظر فى ترقيتهم أو ترشيحهم لرئاسة بعثة تمثيلية فى الخارج.

وتنص المادة 33 من ذات القانون على أن “تكون الترقية إلى وظيفة سفير من الفئة الممتازة وإلى وظيفة سفير على أساس الاختيار للصلاحية والكفاية والامتياز وفقاً لتقييم أعمالهم بواسطة الجهاز المنصوص عليه فى المادة 19 من هذا القانون بعد اعتماده من المجلس وعند التساوى فى شروط الترقية بالاختيار تكون الأولوية للأقدم فى الوظيفة.

ومن حيث إن مفاد ما تقدم أن الترقية إلى قمة وظائف السلك الدبلوماسى إنما تتم على أساس الاختيار وتتمثل عناصر هذا الاختيار فى مدى توافر الصلاحية والكفاية والامتياز فى المرشح لشغلها وذلك وفقاً للتقييم الذى يجريه جهاز التفتيش والصلاحية وتقييم مستوى كفاية الأداء المنصوص عليه بالمادة 19 من قانون السلك الدبلوماسى والقنصلى وعند التساوى فى شروط الترقية بالاختيار تكون الأولوية للأقدم فى الوظيفة.

ومن حيث إنه لما كان من المسلم به أن لجهة الإدارة الحق فى اختيار كبار موظفيها من شاغلى الوظائف القيادية العليا الذين تأنس فيهم القدرة على القيام بما يتطلبه فيهم للنهوض بها وتنفيذ السياسة التى ترسمها باعتبارها المهيمنة على مصالح الدولة المختلفة والمسئولة عن حسن تصريف أمورها وتسيير المرافق العامة بها على وجه يحقق الصالح العام فلازم ذلك أن يترك لها قدر واسع من الحرية فى اختيار من ترى فيهم الصلاحية لشغل تلك الوظائف تحقيقاً لذلك الغرض وبغير ذلك يصاب الجهاز الحكومى بالشلل وتقف السلطة التنفيذية مغلولة الأيدى بالنسبة لمن ترى فيهم الصلاحية والقدرة على تنفيذ سياساتها وتسيير المرافق العامة على أحسن وجه الأمر الذى يجب أن يترك لها حرية اختيار كبار موظفيها من شاغلى الوظائف العليا والقيادية وتقديرها فى ذلك مطلق من كل قيد طالما خلا من إساءة استعمال السلطة وهو أمر لا يكفى فى إثباته فى هذا المجال مجرد خلو ملف الموظف من الشوائب أو كونه كفئاً فى أداء عمله من عدمه وإذا كان هذا الحق مقرراً للحكومة بصفة عامة باعتبارها المسئولة عن إدارة المرافق فى البلاد فإن هذا الحق يتأكد بصفة خاصة فى مجال السلك الدبلوماسى والقنصلى.

ومن حيث إنه من المسلم به أيضاً أن مفهوم الصلاحية والكفاية والامتياز لا يقتصر على كفاية عنصر السلك الدبلوماسى وقدراته الفنية وحسن أدائه لعمله فحسب وإنما يتسع ليشمل مسلكه داخل العمل وخارجه وما يعلق بسلوكه من شوائب تنال من جدارته وأهليته وصلاحيته ولا وجه للاقتصار فى مجال التقييم والاختيار على ملف الخدمة وما يحويه من تقارير ذلك أنه إذا كان الأصل أن ملف الخدمة هو الوعاء الطبيعى للحياة الوظيفية إلا أنه ليس وحده مصدر المعلومات لأنه لا يشمل حتماً كل ما يتعلق بعضو السلك الدبلوماسى من معلومات أو بيانات أو عناصر أخرى لها وزنها وأثرها فى التقرير وقد تغيب عن تلك التقارير ولكنها لا تغيب عن ذوى الشأن عند النظر فى الترقيات إلى الوظائف التى تقع على قمة وظائف السلك الدبلوماسى حيث يتم الاعتماد إلى جانب ملف الخدمة وما يحويه من تقارير على ما يُستقى من معلومات وبيانات بواسطة الأجهزة الرسمية المخصصة لاستجماع مثل هذه البيانات والمعلومات لتكون أساساً فى الاختيار.

ومن حيث إنه لما كانت وظيفة سفير من الفئة الممتازة وهى الوظيفة المطعون عليها تقع على على قمة الهيكل الوظيفى فى السلك الدبلوماسى والقنصلى وتتطلب فى شاغلها الكفاية والجدارة والتميز الفائق فى العمل وأدائه ومن ثم فلا يكفى فى هذا المجال للدلالة على صلاحية عضو السلك الدبلوماسى للترقية إلى هذه الوظيفة القول بأنه لم توقع عليه أية جزاءات أو لم تجر معه أى تحقيقات أو ينسب إليه أى قصور فى أدائه لعمله لأن متطلبات الوظيفة المشار إليها تقتضي فيمن يشغلها قدرات عالية وتميز خاص فى العمل وفى الصفات والسمات الشخصية وما اكتسبه من خبرة ودراية على مدى حياته الوظيفية وما يتجمع لدى جهة الإدارة من عناصر وأمور تعينها على إقامة مقاييس التفاضل بالقسط وتقديرها فى هذا الشأن لا معقب عليه من القضاء متى نأى عن شائبة إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها.

ومن حيث إنه على هدى ما تقدم ولما كان الثابت بالأوراق أن جهاز التفتيش والصلاحية وتقييم مستوى كفاية الأداء المنصوص عليه فى المادة 19 من قانون السلك الدبلوماسى والقنصلى قد بحث بجلسته رقم 14 بتاريخ 26/11/1995 باستفاضة بيان حالة الطاعن من واقع ملف خدمته السرى حيث تبين أنه تحرر عنه 23 تقريراً لكفاية الأداء خلال فترة عمله بالوزارة منها 11 تقريراً بمرتبة ممتاز, 8 بمرتبة جيد، 3 بمرتبة فوق المتوسط وواحد بمرتبة متوسط واطلع على ما تواتر عنه من ملاحظات خلال خدمته أهمها احتياجه للإشراف والتوجيه وضبط الأعصاب فى الكثير من المواقف والمحافظة على مواعيد العمل بالإضافة إلى ميله للخشونة والتسلط فى عمله مع مرءوسيه وقد استذكر الجهاز توصيته السابقة بجلسته رقم 36 بتاريخ 13/12/1994 بعدم الموافقة على ترشيحه لرئاسة البعثة نظراً لعدم حدوث أى تطور إيجابى فى حالته.

واستكمل جهاز التفتيش والصلاحية المذكور بحث حالة الطاعن بجلسته رقم 24 بتاريخ 2/4/1996 آخذاً فى الاعتبار التقييم الذى أعده وكيل أول وزارة الخارجية بتاريخ 19/3/1996 والذى قيم فيه أداء الطاعن بمرتبة جيد وقيم إمكانياته بمرتبة جيد جداً وخلص فيه إلى عدم استطاعة ترشيحه للترقية إلى وظيفة سفير ممتاز وقد أوصى جهاز التفتيش والصلاحية بجلسته المشار إليها بعدم الموافقة على ترشيح الطاعن للترقية إلى وظيفة سفير من الفئة الممتازة لعدم توافر عناصر الصلاحية والكفاية والامتياز المنصوص عليها فى المادة 33 من قانون السلك الدبلوماسى والقنصلى ولعدم انطباق الضوابط والمعايير التى يسترشد بها الجهاز عند تقييم المرشحين للترقية إلى هذه الوظيفة فى شأن الطاعن.

ومن حيث إنه بالبناء على ما تقدم فإن جهة الإدارة وهى بصدد ترشيح الطاعن لشغل وظيفة سفير ممتاز وهى أعلى وظيفة تقع على قمة هيكل وظائف أعضاء السلك الدبلوماسى والقنصلى وتقييم مدى صلاحيته وكفايته للترقية إلى هذه الوظيفة لم تقف عند حد تقرير الكفاية التى حصل عليها وإنما استعرضت باقى العناصر المتعلقة بقدراته الفنية وجدارته وأهليته وصلاحيته وأصدرت قرارها المطعون فيه فى ضوء ما تجمع لديها من الأجهزة الرسمية المخصصة لاستجماع مثل هذه البيانات وفى ضوء العناصر التى تعينها على إقامة مقاييس التفاضل بالقسط وبعد أن استقر فى يقينها عدم توافر عناصر الصلاحية والكفاية والامتياز المنصوص عليها فى المادة 33 من قانون السلك الدبلوماسى والقنصلى وإذْ خلت الأوراق مما يفيد أن جهة الإدارة قد أساءت استعمال سلطتها أو انحرفت بها ومن ثم فإن القرار المطعون فيه ـ والحال كذلك ـ يكون متفقاً وصحيح حكم القانون وتغدو المطالبة بإلغائه غير قائمة على سند خليقة بالرفض.

وإذ ذهب الحكم المطعون فيه هذا المذهب فإنه يكون قد صادف صحيح حكم القانون ويغدو الطعن عليه غير قائم على سند خليقاً بالرفض.

ومن حيث إن من خسر الطعن يلزم المصروفات عملاً بحكم المادة (184) من قانون المرافعات

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة

بقبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعًا وألزمت الطاعن المصروفات.

error: المحتوى محمي من النسخ او الطباعة