جلسة 16 من نوفمبر سنة 2013 الطعن رقم 27464 لسنة 56 القضائية (عليا) (الدائرة الرابعة)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ لبيب حليم لبيب

نائب رئيس مجلس الدولة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ عبد الفتاح أمين عوض الله الجزار، وعبد الفتاح السيد أحمد عبد العال الكاشف، وسعيد عبد الستار محمد سليمان، وهشام السيد سليمان عزب.

نواب رئيس مجلس الدولة

المبادئ المستخلصة:

(أ) مهن– مهنة الطب- مسئولية الطبيب- تقتضي مباشرة مهنة الطب إحاطتها بالكثير من القواعد والإجراءات والأصول العلمية والطبية والقانونية؛ للحفاظ على حياة المرضى، وبما يكفُل للأطباء الاستقرار والسكينة في مباشرة عملهم- يجب على الطبيب أن يؤدي عمله بنفسه وبدقة وأمانة- الطبيب ليس ملتزمًا بنتيجة، لكنه ملتزمٌ ببذل عناية الرجل الحريص- على الطبيب الجراح أن يتخذ جميع الاحتياطات اللازمة للمريض أثناء الجراحة، طبقًا للأسس العلمية المتعارف عليها والفنية والطبية المسلَّم بها في مثل العملية الجراحية التي يتم إجراؤها.

(ب) مهن– مهنة الطب- مسئولية الطبيب عن عمله الفني- مخالفة الطبيب للأصول والقواعد العلمية التي يقتضيها علم الطب في خصوص حالة المرض محل العلاج تُشكِّل مخالفةً تأديبية في حقه- يجب أن تكون مساءلة الطبيب على أساس مقدار الخطأ الواقع منه، دون العوامل الأخرى التي تقع بفعل الغير والخارجة عن إرادته.

(ج) موظف– تأديب- الطعن في أحكام المحاكم التأديبية- للمحكمة التأديبية الحرية في تكوين عقيدتها من أي عنصر من عناصر الدعوى، ولها في سبيل ذلك أن تأخذ مما تطمئن إليه من أقوال الشهود أو القرائن، وأن تطرح ما عداه مما لا تطمئن إليه، وهي من الأمور الموضوعية التي تستقل بها، مادام أن تقديرها جاء سليمًا سائغًا، ويؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها من نتيجة.

الإجراءات

في يوم الثلاثاء الموافق 15/6/2010 أودع الأستاذ/… المحامي بصفته وكيلا عن الطاعن قلمَ كُتَّاب المحكمة الإدارية العليا تقريرَ طعنٍ، قُيِّدَ بجدولها برقم 27464 لسنة 56ق. عليا، طعنًا في حكم المحكمة التأديبية لوزارتي الصحة والمالية بجلسة 18/4/2010 في الدعوى رقم 377 لسنة 51ق، فيما قضى به من مجازاة الطاعن بالفصل من الخدمة.

وطلب الطاعن الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددًا ببراءته مما هو منسوب إليه.

وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا بالرأي القانوني في الطعن، ارتأت فيه للأسباب الواردة به الحكم بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعًا.

ونظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا على النحو المبين بمحاضر الجلسات، حتى قررت الدائرة إحالته إلى دائرة الموضوع، حيث تدوول نظر الطعن بالجلسات على النحو المبين بمحاضرها، حتى قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة 16/11/2013، مع التصريح بإيداع مذكرات في أسبوعين، وقد انقضى الأجل دون إيداع مذكرات، وبجلسة اليوم صدر الحكم، وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.

وحيث إن الطاعن يطلب الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددًا ببراءته مما هو منسوب إليه.

وحيث إن الطعن الماثل قد استوفى أوضاعه الشكلية، ومن ثم يكون مقبولا شكلا.

وحيث إن عناصر المنازعة الماثلة تخلص -حسبما يبين من الأوراق- في أنه بتاريخ 15/4/2009 أقامت النيابة الإدارية الدعوى التأديبية رقم 377 لسنة 51ق بإيداع أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية لوزارتي الصحة والمالية، وطويت على ملف تحقيقاتها في القضية رقم 87 لسنة 2008 نيابة الصحة- القسم الأول، وتقرير اتهامٍ ضد كلٍّ من: 1- محمد… إخصائي أمراض النساء والتوليد بمستشفى بولاق العام بمديرية الشئون الصحية بالقاهرة،                 2- خالد… إخصائي التخدير بالمستشفى ذاته السابق ذكره، 3- ماجد… مفتش صحة بمكتب العدوية التابعة لمنطقة بولاق الطبية؛ لأنهم في يومي 1 و2/4/2006 بدائرة عملهم وبوصفهم السابق لم يؤدوا العمل المنوط بهم بدقة وخالفوا القانون، وذلك بأن:

– المخالف الأول (منفردًا): 1- تسبب خطأ في وفاة/ نصرة… حال إجراء عملية توليد قيصرية لها بالمستشفى حال فتح البطن بإحداث جرح وقطع بالشريان الأيمن للرحم، رغم علمه مسبقًا بوجود سيولة بالدم لديها، مما ترتب عليه نزيف حاد مستمر أدى إلى حدوث صدمة دموية غير مرتجعة أدت لوفاتها عقب انتهاء العملية رغم محاولات إسعافها. 2- ترك المستشفى عقب انتهاء الجراحة على النحو السالف تاركًا المريضة حال علمه بخطورة حالتها دون البقاء بجوارها لحين استقرار حالتها الصحية.

– المخالفان الأول والثاني: لم يقوما بنقل المريضة إلى وحدة العناية المركزة عقب إتمام العملية رغم سوء حالتها الصحية، مكتفين بنقلها للقسم الداخلي العادي بالمستشفى.

– المخالف الثالث:…. وطلبت النيابة الإدارية محاكمتهم تأديبيًّا.

وبجلسة 18/4/2010 قضت المحكمة بمجازاة المحال الأول بالفصل من الخدمة، وشيَّدت قضاءها على سندٍ من ثبوت المخالفة الأولى المتعلقة بتسببه في وفاة المريضة المذكورة، فهي ثابتة في حقه ثبوتًا كافيًا بما شهدت به في التحقيقات كل من/ ميرفت… وأعضاء اللجنة المشكَّلة من مديرية الشئون الصحية بالقاهرة لفحص حالة المريضة المذكورة، من أن خطأ المحال أدى إلى قطع الشريان الأيمن للرحم، ما أدى إلى إصابتها بنزيفٍ حاد لم يستطع السيطرة عليه، وهو ما أدى إلى وفاتها بعد إصابتها بصدمة دموية غير مرتجعة، وذلك على نحوٍ يجعل مسلكه مكوِّنًا لمخالفةٍ تأديبية، كما ثبتت المخالفة الثانية المنسوبة إليه، والمتعلقة بمغادرته المستشفى عقب الجراحة تاركًا المريضة المذكورة في حالة خطيرة، ثبوتًا كافيًا بما شهد به في التحقيقات كل من/ هاني… وجميع أعضاء اللجنة المشار إليها سلفًا من مغادرة المحال المستشفى عقب الجراحة رغم علمه بخطورة حالة المريضة، على نحوٍ يجعل مسلكه مكوِّنًا لمخالفةٍ تأديبية، وأخيرًا فقد ثبتت المخالفة الثالثة في حقه، والمتعلقة بعدم قيامه بالاشتراك مع زميله خالد… إخصائي التخدير بنقل المريضة إلى وحدة العناية المركزة، فهي ثابتة في حقه ثبوتًا كافيًا بما شهد به في التحقيقات كلٌّ من د/ هدى…، ود/ عبد العزيز… عضوي اللجنة المشار إليها سلفًا، من أن الأصول الطبية تقتضي ضرورة نقل المريضة إلى وحدة العناية المركزة، وإذ لم يصنع المحال ذلك، فإنه يكون مرتكبًا لمخالفةٍ تأديبية، ومن ثم فإن مقتضى ارتكاب المحال لجميع هذه المخالفات ضرورة معاقبته بجزاءٍ يتناسبُ معها، وهو الفصل من الخدمة.

………………………………………………..

وحيث إن مبنى الطعن الماثل أن الحكم المطعون فيه خالف القانون، وأخطأ في تطبيقه وتأويله، وشابه الفساد في الاستدلال، والقصور في التسبيب، والإخلال بحق الدفاع، والغلو في توقيع الجزاء؛ وذلك لإغفال الحكم الطعين الرد على جميع ما أبداه الطاعن من طلبات أمام المحكمة التأديبية، والتي تتحقق منها براءته من الاتهامات المنسوبة إليه، وذلك لانتفاء مسئوليته عن حالة المريضة كجراح عقب وصول الدكتور/ حامد… (الاستشاري المختص) إلى غرفة العمليات، والذي تولى إصدار جميع التعليمات والتوجيهات الخاصة بعلاج المريضة التي توفيت، وبالتالي أصبح الطاعن هو المساعد للدكتور/ حامد… الذي أصبح هو المسئول عن الحالة، وتم الالتزام بتعليماته تجاه المريضة.

كما صدر الحكم الطعين اعتمادًا على شهادات بعض الشهود التي جاءت مخالفةً للتقرير الطبي الصادر عن اللجنة المشكلة من مديرية الشئون الصحية بالقاهرة، والتي نفت عن الطاعن ارتكابه أية مخالفة أدت إلى وفاة المريضة، سوى مغادرته للمستشفى بعد خروج المريضة من غرفة العمليات، وهو ما كان عقب انتهاء العملية، ولا صلة له بوفاة المريضة، وأنه عقب خروج المريضة من غرفة العمليات يتولى طاقم النوبتجية بالمستشفى رعايتها رعاية كاملة، وهذا الطاقم لا صلة للطاعن به، وبرغم ذلك قضى الحكم الطعين عليه بأقصى العقوبات المقررة قانونًا، وهي الفصل من الخدمة، على نحوٍ يجعله متسمًا بعدم المشروعية، على نحوٍ يقتضي براءته مما نُسِبَ إليه.

………………………………………………..

وحيث إن قضاء هذه المحكمة مستقر على أن الأديان السماوية وما بعدها من التشريعات الوضعية عهدت إلى الأطباء بمباشرة أقدس المهن وأعلاها في السمو والرفعة؛ إذ يلجأ إليهم المرضى من آحاد الناس حاملين آلامهم التي يشتكون منها طالبين منهم العلاج، فيسلمون إليهم أرواحهم لتكون أمانة بين أيديهم ثقةً فيهم، مما يوجب عليهم اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة للمحافظة على المرضى الذين يسلمون إليهم أرواحهم، لذلك حرصت التشريعات الوضعية والأحكام القضائية على إحاطة مباشرة مهنة الطب بالكثير من القواعد والإجراءات والأصول العلمية والطبية والقانونية التي تقتضيها مباشرة هذه المهنة، للحفاظ على حياة المرضى بين أيدي الأطباء، كما تكفُل للأطباء الاستقرار والسكينة في مباشرتهم لعملهم، منها أن يؤدوا أعمالهم بأنفسهم وبدقة وأمانة، على النحو الذي أشار إليه المشرِّعُ في قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، كما أنه ليس من شكٍّ في أن الطبيب ليس ملتزمًا بنتيجة، كما أنه ليس من شكٍّ في أنه ملتزمٌ ببذل عناية الرجل الحريص، وأن أسمى صور هذه العناية تنطبق وتَدق باليقين للجراح الذي يتعين عليه أن يتخذ جميع الاحتياطات اللازمة للمريض أثناء الجراحة، طبقًا للأسس العلمية المتعارف عليها والفنية والطبية المسلَّم بها، والتي يقتضيها علم الطب في مثل العملية الجراحية التي يتم إجراؤها.

– وحيث إن المخالفة الأولى المنسوبة للطاعن، والقائمة على تسببه خطأ في وفاة المريضة المذكورة، رغم علمه المسبق بوجود سيولة في الدم لديها، وتسببه في جرح وقطع الشريان الأيمن للرحم حال فتح البطن، وحدوث نزيف حاد وصعوبة السيطرة عليه، ما أدى إلى إصابتها بصدمة دموية غير مرتجعة أدت مباشرة لوفاتها، فإن هذه المخالفة بهذا الوصف غير ثابتةٍ في حقه؛ وذلك لعدم جزم أي من أعضاء اللجنة المشكَّلة من مديرية الشئون الصحية بالقاهرة لفحص المريضة المذكورة بأن الطاعن قد تسبب في قطع الشريان الأيمن للرحم لتلك المريضة؛ إذ شهد الدكتور/ هاني… عضو اللجنة في التحقيقات بأنه من الممكن أن يكون مشرط الجراح سرح على سبيل السهو أثناء قيام الطاعن بتوسيع الفتحة بيده، كما شهد الدكتور/ محمد… بأن اللجنة لم تتوصل لأسباب جرح الشريان؛ لأنه من الممكن أن يحدث ذلك لأسباب اضطرارية، مثل كبر رأس الجنين أو خروج رأس الجنين بطريقة غير سليمة أو انحشار رأسه، وخلص من أقواله أن إجراءات العملية سليمة، كما شهد الدكتور/ حمدي… عضو اللجنة بأن قطع الشريان الأيمن لرحم المريضة المذكورة ربما يكون سببه لا إراديًّا أو خطأ من الطبيب، ولا يستطيع الجزم بصحة أي من السببين إلا بعد مناظرة جسم المريضة، وهو ما لم يتحقق بعد، وأن المريضة كانت في حالة حرجة قبل العملية لا تسمح لها بإجراء تحليل للتعرف على سيولة الدم من عدمه، وبهذا الوصف فإن جميع هذه الشهادات تتفق مع ما شهد به الدكتور/ حامد… استشاري الجراحة بالمستشفى من أن رأس الجنين كانت كبيرة، ومن ثم فإنه من الممكن أن يكون ذلك هو السبب في قطع الشريان الأيمن لرحم المريضة، كما أن ما ذكرته اللجنة في تقريرها يأتي في مصلحة الطاعن؛ إذ جاء في الفقرة (2) منه على أن ما حدث أثناء العملية من نزيف وتجمع دموي وارتخاء للرحم تمَّ التصرف معه جراحيًّا بطريقة مناسبة وبقدر الإمكان وحسب الأصول الطبية المتعارف عليها، وبذلك تكون شهادات هؤلاء الشهود قد تضافرت على وجود أكثر من سبب لقطع الشريان الأيمن لرحم المريضة المذكورة، ولم تقطع الأوراق بأن التحقيقات قد توصلت إلى سبب محدد منها، وإن كان أرجح الآراء وأصدقها ما أشار به الدكتور/ حامد… من أن رأس الجنين كانت كبيرة، وهو ما قد يكون السبب المباشر لقطع الشريان الأيمن لرحم المريضة، ومن ثم ينبغي أن تكون مساءلة الطاعن تأديبيًّا على أساس مقدار الخطأ الواقع منه، دون تحميله بالمسئولية عن العوامل الأخرى بفعل الغير أو الخارجة عن إرادته، وإذ خلت الأوراق من أي تحديد لخطأ مرجعه إهماله في أدائه لواجباته على نحوٍ محدد وقاطع يترتب عليه حتمًا وفاة المريضة المذكورة، وبذلك لا يكون الطاعن قد أتى ما يعد خروجًا منه على واجبات وظيفته؛ إذ ليست هناك جريمةٌ تأديبية اقترفها الطاعن تستوجب مجازاته تأديبيًّا، مما يتعين براءته مما نُسِبَ إليه في هذا الخصوص.

– وحيث إنه عن المخالفة الثانية المنسوبة للطاعن، وحاصلها تركه المستشفى عقب انتهاء عملية الولادة للسيدة المذكورة رغم خطورة حالتها، دون البقاء بجوارها لحين استقرار حالتها الصحية، فإن قضاء هذه المحكمة مستقرٌ على أن مخالفة الطبيب للأصول والقواعد العلمية التي يقتضيها علم الطب في خصوص حالة المريض محل العلاج تُشكِّل مخالفةً تأديبية في حق الطبيب. (حكمها في الطعن رقم 1279 لسنة 40 ق.عليا بجلسة 15/6/1986)، ومن ثم فإن هذه المخالفة ثابتةٌ ثبوتًا كافيًا في حقه، بما شهد به جميع أعضاء اللجنة المشار إليها سلفًا، من أن ثبوتَ مغادرةِ الطاعن للمستشفى عقب إجراء الجراحة هو أمرٌ مخالفٌ لجميع الأعراف الطبية؛ إذ كان يتعين عليه البقاء بجوارها لحين استقرار حالتها، على نحوٍ تُشكِّل معه هذه المخالفة ذنبًا تأديبيًّا يستوجب مؤاخذته عنها.

– وحيث إنه عن المخالفة الثالثة المنسوبة للطاعن، وحاصلها عدم نقل المريضة عقب خروجها من حجرة العمليات إلى وحدة العناية المركزة، فإن هذه المخالفة ثابتة ثبوتًا كافيًا، أخذًا بما جاء بشهادة الدكتور/ حمدي… عضو اللجنة المشار إليها في التحقيقات، من أن قرار نقل المريضة إلى وحدة العناية المركزة هو قرارٌ مشترك بين الطبيب الجراح وطبيب التخدير، وبما شهد به الدكتور/ عبد العزيز… في التحقيقات من أن قرار نقل المريضة إلى وحدة العناية المركزة بعد الإفاقة يكون من اختصاص الطبيب الجراح، وبذلك يكون الطاعن قد تقاعس سواء بنفسه أو بالاشتراك مع طبيب التخدير عن ضرورة نقل المريضة إلى وحدة العناية المركزة، بما مقتضاه مخالفته لواجبات وظيفته، على نحوٍ يُشكِّل في حقه ذنبًا تأديبيًّا يستوجب العقاب.

ولا ينال مما تقدم ما أثاره الطاعن من أوجه نعي تخص المخالفتين الثانية والثالثة المنسوبتين إليه، من اعتماد الحكم المطعون فيه على شهادات بعض الشهود، والالتفات عَمَّا أثير بتقرير اللجنة المشار إليها، وانحصار مسئوليته عن حالة المريضة عقب خروجها من غرفة العمليات لتولي رعايتها من جانب أطباء النوبتجية بالمستشفى، فإن ذلك كله مردودٌ عليه بأن المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أنه لا تثريب على المحكمة التأديبية إن هي استخلصت النتيجة التي انتهت إليها استخلاصًا سائغًا من أصول تنتجها ماديًّا وقانونيًّا، وكيفتها تكييفًا سليمًا، وكانت هذه النتيجة تبرِّر اقتناعها الذي ثبت عليه قضاؤها، فإنه لا يكون هناك محلٌّ للتعقيب عليها؛ ذلك أن لها الحرية في تكوين عقيدتها من أي عنصر من عناصر الدعوى، ولها في سبيل ذلك أن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود أو القرائن، وأن تطرح ما عداها مِمَّا لا تطمئن إليه، وهي من الأمور الموضوعية التي تستقل بها المحكمة التأديبية، مادام تقديرها سليمًا سائغًا ويؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وفي اطمئنانها إلى هذه الأقوال أو القرائن تكون قد طرحت ما أبداه الخصوم أمامها من دفاع قُصِدَ به التشكيك في صحة القرائن أو الأقوال أو شهادات الشهود التي عوَّل الحكم عليها، وعلى هذا النحو فإن الثابت من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بعد أن أسست المحكمة عقيدتها، وأثبتتها في الحكم الصادر عنها، ولا تثريب عليها إن هي التفتت عَمَّا أثاره الطاعن من دفاع، ورجحت عليه أدلةً أخرى رأت أهميتها في الدعوى، ومن ثم فإن حقيقة الأمر أن ارتكاب الطاعن للمخالفتين الثانية والثالثة من عدمه إن هي إلا وقائع مادية، لا تعتمد في ثبوتها من عدمه على أقوال الشهود أو التقارير على استقلال، بل تعتمد على ما تطمئن إليه المحكمة التأديبية من أدلة أو قرائن أخرى، تجمع بين شهادة الشهود وتقارير اللجان، تؤكد صحة ارتكابه لهاتين المخالفتين، مما يتعين معه طرح ما أثاره الطاعن في هذا الخصوص ورفضه.

وحيث إنه في مجال تقدير العقوبة، فإنه إذا تعددت المخالفات التي نُسِبَت إلى الطاعن وانتفت إحداها وثبت الباقي منها في جانبه، فإن نتيجة ذلك فقدان التناسب بين المخالفتين الثابتتين بحقه والجزاء الموقع عليه، وهو الفصل من الخدمة، وهو ما يقتضي معه الحكم بإلغاء هذه العقوبة، وتوقيع الجزاء الذي يتناسب واقعًا وقانونًا مع هاتين المخالفتين، والذي تقدِّره المحكمة على النحو الذي سيرد بالمنطوق.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبمجازاة الطاعن بالخفض إلى وظيفة من الدرجة الأدنى مباشرة، مع خفض الأجر إلى القدر الذي كان عليه قبل الترقية.

error: المحتوى محمي من النسخ او الطباعة