جلسة 25 من يونيه سنة 2016 الطعن رقم 83655 لسنة 61 القضائية (عليا) (الدائرة الخامسة)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ د. هانئ أحمد الدرديري عبد الفتاح

نائب رئيس مجلس الدولة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ إبراهيم محمد الطنطاوي نور، وجعفر محمد قاسم عبد الحميد، ود.حسين عبد الله أمين حسين قايد، ود.أحمد محمد إبراهيم غنيم.

نواب رئيس مجلس الدولة

المبادئ المستخلصة:

  • عقد إداري:

المسئولية العقدية- أركانها هي: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية بينهما- إذا انتفى أحدُ هذه الأركان انتفت المسئولية، التي هي مناط إلزام المتسبب في الضرر التعويض- يتمثلُ الخطأ العقدي في إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته العقدية- لكي يصبح الخطأ العقدي مُوجِبًا للتعويض، يتعين توفرُ باقي أركان المسئولية من ضررٍ، وعلاقةِ سببية بين الخطأ والضرر.

– المادة (163) من القانون المدني، الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948.

(ب) عقد إداري:

انعقاده- الإعلان عن المناقصة أو المزايدة لا يعدو أن يكون مجردَ دعوةٍ إلى التعاقد- ينعقدُ العقدُ بمجرد أن يتبادل طرفاه التعبيرَ عن إرادتين متطابقتين، فيجب أن يتطابق القبول والإيجاب فيما يتعلق بمحل العقد- ما يصدر عن الطرف المتعاقد مع جهة الإدارة من عطاءٍ هو الإيجاب، وما يصدر (مقابله) عن جهة الإدارة هو القبول- إذا أعلنت جهةُ الإدارة عن رغبتها في التعاقد بطريق المزايدة أو المناقصة، وتقدم الطرفُ الآخر، وتمَّت الترسيةُ عليه، ثم لم تمضِ جهة الإدارة في إجراءات التعاقد إلى مُنتهاها، ولم تقم السلطة المختصة بتوقيع العقد؛ فإنه لا يكون هناك قبولٌ قد صادفَ إيجابَ الطرفِ الآخر، ومن ثمَّ لا يكون هناك عقدٌ تمَّ إبرامُه([1]).

– المادة (89) من القانون المدني، الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948.

(ج) استيراد وتصدير:

تراخيص التصدير- قيام جهة الإدارة باختيار المزايدة كأسلوبٍ للتعاقد، واستعارة بعض أحكام قانون تنظيم المناقصات والمزايدات (الصادر بالقانون رقم 89 لسنة 1998) في شأن إصدار تراخيص التصدير، يكونُ مقصورًا على ما ابتغته الإدارة من هذه الأحكام والقواعد وفي حدودها، فلا يعني التقيد بجميع آثارها الواردة في هذا القانون- يجوزُ تضمينُ كراسةِ الشروط بندًا يخوِّلُ لجنةَ البتِ الحقَّ في إلغاء العملية دون إبداءِ أسباب، ومن ثمَّ لا يُتَقيدُ بالأثر الذي يقضي بانعقاد العقد بمجرد إرساء المزايدة، دون توقفٍ على توقيع العقد من السلطة المختصة- تطبيق: استلهام الإدارة لأسلوب المزايدة العلنية بالمظاريف المغلقة كأسلوبٍ لاختيار مَنْ يُمنَحُ تراخيص تصدير الأرز يكونُ بهدفِ تحقيق أعلى عائدٍ للخزانة العامة، دون استصحاب جميع أحكام القانون المنظم للمناقصات والمزايدات، ومن ثمَّ فإن قرار الإدارة بوقف تصدير الأرز لحين استيفاء احتياجات السوق المحلي، وإلغاء المزايدة بعد الإعلان عنها وترسيتها وقبل تسلمِ التأمين النهائي من الشركات، يكونُ صادرًا على وفق أحكام القانون، وينتفي معه وقوع خطأٍ من الإدارة يستوجب التعويض.

– المادتان (3) و(8) من القانون رقم 118 لسنة 1975 بشأن الاستيراد والتصدير.

– المادتان (الأولى) و(الثانية) من قرار وزير الصناعة والتجارة الخارجية رقم 767 لسنة 2012 بشأن تصدير الأرز.

الإجراءات

بتاريخ 13/7/2015 أودعت هيئة قضايا الدولة نائبة عن الطاعنين قلمَ كُتَّاب هذه المحكمة تقريرًا بالطعن قُيِّدَ بالرقم المشار إليه بعاليه في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالقاهرة (الدائرة السابعة)، الذي قضى: (أولا) بعدم قبول الطلب الأول بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الطعين لزوال شرط المصلحة. (ثانيًا) بقبول طلب التعويض شكلا، وفي الموضوع بإلزام جهة الإدارة دفع مبلغ خمسين ألف جنيه للشركة المدعية تعويضًا عن الأضرار المادية التي أصابتها، وإلزامها المصروفات.

وطلبت جهة الإدارة في ختام تقرير الطعن الأمر بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون عليه، ثم الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون عليه، والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وإلزام الشركة المطعون ضدها المصروفات عن درجتي التقاضي.

وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده الأول بالطريق الإداري. وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا مُسَبَّبًا برأيها القانوني في موضوع الطعن، ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعًا، وإلزام جهة الإدارة المصروفات.

وتدوول نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون، التي قررت إحالته إلى هذه الدائرة، فأحيل إليها وتدوول بجلساتها وذلك على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 21/5/2016 قررت المحكمة إصدار حكمها في هذا الطعن بجلسة اليوم مع التصريح بالاطلاع وتقديم مستندات ومذكرات خلال عشرين يومًا، وقد انقضى هذا الأجل دون تقديم مذكرات أو مستندات، وبجلسة اليوم صدر هذا الحكم، وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة قانونًا.

وحيث إن الجهة الإدارية قد أقامت هذا الطعن بغيةَ الأمر لها بوقف تنفيذ الحكم المطعون عليه بصفة مستعجلة، ثم الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون عليه، والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وإلزام الشركة المطعون ضدها المصروفات عن الدرجتين.

وحيث إن الحكم المطعون عليه صدر في 23/5/2015، وأقيم هذا الطعن في 13/7/2015، ومن ثمَّ يكون قد أقيم في الميعاد، وإذ استوفى جميع أوضاعه الشكلية المقررة، فإنه يكون مقبولا شكلا.

وحيث إنه عن موضوع الطعن، فإن عناصر هذه المنازعة تخلص في أن المطعون ضده كان قد أقام الدعوى رقم 22361 لسنة 68ق أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة (الدائرة السابعة) بصحيفة طلب في ختامها الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار رقم 17/11/13/3 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 21/11/2013 بوقف تصدير الأرز، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها تسليم الشركة التي يمثلها رخصة بتصدير 5000 طن من الأرز سارية لمدة 60 يومًا من تاريخ تسليمها وبنفس شروط المزايدة المعلن عنها، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون عليه، وبإلزام جهة الإدارة تعويض الشركة بمبلغ خمسين مليون جنيه مصري كتعويض عن الأضرار المادية والأدبية الناتجة عن عدم تنفيذ جهة الإدارة للتعاقد.

وقال شارحًا دعواه إنه بتاريخ 29/10/2013 أعلن قطاعُ التجارة الخارجية بوزارة التجارة والصناعة عن إجراء مزايدة عامة بتاريخ 10/11/2013 لإصدار ترخيص تصدير الأرز مقابل رسمِ صادرٍ إضافي لموسم 2013/ 2014، وقد تقدمت الشركة التي يمثلها في تلك المزايدة، وتمت الترسية عليها لتصدير 5000 طن أرز من إجمالي 102350 طنًا، إلا أنها فوجئت بتاريخ 21/11/2013 بصدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 17/11/13/3 بوقف تصدير الأرز المصري إلى حين استيفاء احتياجات السوق الداخلي، وبتاريخ 22/11/2013 توجه مندوب الشركة إلى الجهة الإدارية لتسليم مبلغ التأمين النهائي، إلا أنها رفضت تسلمَه؛ تنفيذًا للقرار المطعون عليه.

وأضاف المدعي قائلا إنه فور الإعلان عن تلك المزايدة بدأت شركته في إجراء التعاقدات الداخلية مع المورِّدين، والتعاقدات مع مضارب الأرز والشعير وشركات التعبئة، وكذلك التعاقد مع المستورِدين من الخارج للتصدير.

وبتاريخ 11/12/2013 تقدم بتظلم إلى رئيس مجلس الوزراء، ثم إلى وزير التجارة والصناعة، وأتبع ذلك بطلب للجنة فض المنازعات بتاريخ 23/12/2013.

واختتم المدعي صحيفة دعواه بطلباته المشار إليها.

……………………………………………………..

وبجلسة 23/5/2015 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها المطعون عليه، الذي قضى بعدم قبول طلب وقف تنفيذ وإلغاء القرار المطعون عليه لزوال شرط المصلحة، وبقبول طلب التعويض شكلا، وفي الموضوع بإلزام جهة الإدارة دفع مبلغ خمسين ألف جنيه للشركة المدعية تعويضًا عن الأضرار المادية التي أصابتها، وإلزام جهة الإدارة المصروفات.

وشيَّدت المحكمة حكمها -فيما يتعلق بزوال المصلحة بالنسبة لطلب وقف تنفيذ وإلغاء القرار المطعون عليه- على أساس أن رخصة تصدير الأرز التي رست على الشركة المدعية كانت ساريةً لمدة 60 يومًا من تاريخ تسليمها، وقد انقضى هذا الأجلُ أثناء نظر الدعوى وقبل الفصل فيها، ومن ثمَّ تكون مصلحتها في الدعوى قد زالت، وهو ما يتعين القضاءُ به.

كما شيَّدت قضاءها بالنسبة لطلب التعويض على أساس أن وزير الصناعة والتجارة الخارجية أصدر بتاريخ 27/9/2012 القرار رقم 767 لسنة 2012، ونص في المادة (1) منه على أن: “يُسمَح بتصدير الأرز المضروب بند جمركي (1006.30) بموجب تراخيص تصديرٍ يصدرُها رئيسُ قطاع التجارة الخارجية وفقًا لأحكام هذا القرار، وفي حدود الحصص التي يصدر بها قرارٌ منا. ويقتصر التصديرُ على الحاصلين على تراخيص التصدير،…”.

ونص في المادة (2) منه على أن: “يكونُ إصدارُ تراخيص الأرز المضروب بند جمركي (1006.30) عن طريق مزايدات علنية عامة بالمظاريف المغلقة، وفقًا للقواعد والشروط التي تصدر بقرارٍ منا”.

ولما كان الثابت بالأوراق أنه بتاريخ 29/10/2013 أعلن قطاعُ التجارة الخارجية بوزارة الصناعة والتجارة عن إجراء مزايدةٍ عامة بتاريخ 10/11/2013 لإصدار ترخيص تصدير الأرز مقابل رسمِ صادرٍ إضافي موسم 2013/ 2014، وأن الشركة المدعية تقدمت إلى تلك المزايدة، وتمت الترسية عليها بتصدير 5000 طن من 102350 طنًا، إلا أنه بتاريخ 21/11/2013 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 17/11/13/3 بوقف تصدير الأرز إلى حين استيفاء الاحتياجات الخاصة بالسوق المحلي، وهو ما يُشكِّل ركنَ الخطأ في جانب جهة الإدارة؛ بحسبان أنه وإن كان تنظيم عملية تصدير الأرز هو من قبيل سلطات الجهة الإدارية، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون من خلال رؤيةٍ واضحة وتخطيطٍ مُسبق، تسيرُ على هُداه جهةُ الإدارة، سواء بالسماح للمُصدِّرين بتصدير الأرز من عدمه، فإذا ما رأت إمكانيةَ التصدير شرعت في طرح الأمر بطريق المزايدة العلنية على السوق المحلي، لا أن تعلن عن المزايدة وتمضي في إجراءاتها وتقرر ترسيتها، وتقوم الشركات باتخاذ إجراءات التعاقد مع المورِّدين والمستورِدين مُتَحَمِّلَةً في ذلك نفقات عديدة، آملةً في أرباحها، ثم تقوم جهة الإدارة بمنع التصدير، على نحوٍ أقل ما يُوصَف به بالتخبط الإداري وعشوائية القرار وعدم الاكتراث بمصالح التجار المتعاملين معها، وهو ما يُشكِّل ركنَ الخطأ في القرار الطعين.

وأما عن ركن الضرر فهو محققٌ، بعد الإعلان عن المزايدة وترسيتها على المتزايدين، ومنهم الشركة المدعية، وبعد قيامها بالتعاقد مع شركات أخرى لتنفيذ التعاقد الخاص بتصدير حصتها، لاسيما أنه من المقرر على وفق أحكام قانون تنظيم المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 1998 أنه في حالة الترسية بالمزايدة على إحدى الشركات، فإنها تتعرض لغراماتٍ في حالة إخفاقها أو تأخرها في تنفيذ التعاقد، ومن ثمَّ فشروع الشركة المدعية في التعاقد مع شركات أخرى لتنفيذ تصدير الحصة الراسية عليها أمرٌ مُفترَض، وذلك كله يتوفر معه ركنُ الضرر عن القرار الطعين، ولا ريب في قيام علاقة السببية بين الخطأ والضرر المشار إليهما. وعلى ذلك قضت المحكمة بتعويض الشركة بمبلغ مقداره خمسون ألف جنيه مصري، وألزمت جهة الإدارة المصروفات.

……………………………………………………..

وإذ لم ترتضِ جهة الإدارة هذا الحكم، فقد طعنت عليه بالطعن الماثل، ناعيةً عليه الخطأ في تطبيق القانون؛ إذ إنها استعملت حقها في إلغاء المزايدة استعمالا مشروعًا، حين تضمنت كراسة الشروط الخاصة بمزايدة تصدير الأرز في البند السادس أن للجنة البت الحقَّ في زيادة الكمية المطروحة في المزايدة أو إنقاصها أو إلغائها دون إبداءِ أيِّ أسباب، وهو ما يكون معه القرار المطعون عليه قد صدر سليمًا مطابقًا لأحكام القانون، مما ينتفي معه قيام ركن الخطأ في المسئولية التقصيرية، ومن ثم لا مجال لقيامها في جانب جهة الإدارة، حتى لو كان قد ترتبَ على صدور القرار الطعين ضررٌ بالنسبة للمدعي.

……………………………………………………..

وحيث إنه تجب الإشارة -بادئ ذي بدء- إلى أن المطعون ضده الثاني وهو رئيس الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات كان مدعًى عليه في الدعوى محل هذا الطعن، ومن ثمَّ كان يتعين أن يكون من بين الطاعنين، وليس مطعونًا ضده، ويكون اختصامه في هذا الطعن بهذه الصفة مخالفًا للقانون، وهو ما يتعين معه إخراجُه من الطعن، مع الاكتفاء بالإشارة إلى ذلك في الأسباب دون المنطوق.

كما تجب الإشارة كذلك إلى أن موضوع هذا الطعن ينصبُّ على الشق الخاص بالتعويض، وهو إلزام جهة الإدارة أن تؤدي إلى المدعي مبلغًا مقداره خمسون ألف جنيه.

وحيث إن المادة (163) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 تنص على أنه: “كلُّ خطأٍ سبَّبَ ضررًا للغيرِ يلزمُ مَنْ ارتكبَهُ بالتعويضِ”.

فقد أوضح المشرع بهذا النص أركان المسئولية التقصيرية، وهي الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما، فإذا انتفى أحد هذه الأركان انتفت هذه المسئولية، والتي هي مناط إلزام المتسبب في الضرر بالتعويض.

وقد جرى الفقه والقضاء الإداريان على أن الخطأ العقدي يتمثل في إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته العقدية، وأنه لكي يصبح الخطأ العقدي مُوجِبًا للتعويض، يتعين توفرُ باقي أركان المسئولية من ضرر وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر.

وحيث إن المادة (3) من القانون رقم 118 لسنة 1975 بشأن الاستيراد والتصدير تنص على أنه: “يصدر وزير التجارة قرارًا بتنظيم عمليات التصدير سواء من الإنتاج المحلي أو مما سبق استيراده وإصدار شهادات المنشأ والإجراءات الواجب اتباعها في هذا الشأن. …”.

وتنص المادة (8) من هذا القانون على أنه: “يجوزُ فرضُ رسمٍ على بعض الصادرات بما لا يجاوز 100% من قيمتها، وبما يسمح بتحقيق ربحٍ مناسب للمصدِّر، ولا يسري الرسمُ وزيادتُه على تراخيص التصدير التي سبق منحها قبل تقريره،…”.

وتنص المادة (الأولى) من قرار وزير الصناعة والتجارة الخارجية رقم 767 لسنة 2012 في شأن تصدير الأرز على أنه: “يُسمَح بتصدير الأرز المضروب بند جمركي (1006.30) بموجب تراخيص تصديرٍ يصدرها رئيسُ قطاع التجارة الخارجية وفقًا لأحكام هذا القرار، وفي حدود الحصص التي يصدر بها قرارٌ منا. ويقتصر التصديرُ على الحاصلين على تراخيص التصدير،…”.

كما تنص المادة (الثانية) من هذا القرار على أن: “يكونُ إصدارُ تراخيص الأرز المضروب بند جمركي (1006.30) عن طريق مزايداتٍ علنية عامة بالمظاريف المغلقة، وفقًا للقواعد والشروط التي تصدر بقرارٍ منا”.

وحاصل هذه النصوص أن المشرع خوَّل بموجبها وزيرَ التجارة إصدارَ قرارٍ يُنظِّم عمليةَ التصدير، وإن كانت السلعة المراد تصديرها مُنتَجة محليًّا، أو كان قد سبق استيرادُها، كما خوَّله فرضَ رسمٍ على بعض الصادرات، بما لا يجاوز 100% من قيمة السلعة المصدَّرة، وبما يسمحُ بتحقيق ربحٍ مناسب للمصدِّر.

واستنادًا إلى هذا النص أصدر وزير الصناعة والتجارة الخارجية القرار رقم 767 لسنة 2012، الذي تضمن السماحَ بتصدير الأرز المضروب الوارد بالبند الجمركي (1006.30)، على أن يكون ذلك بموجب تراخيص تصديرٍ يصدِرُها رئيسُ قطاع التجارة الخارجية، وفي حدود الحصص التي يصدر بها قرارٌ عن وزير الصناعة والتجارة الخارجية، كما حدَّد هذا القرار وسيلةَ منحِ هذه التراخيص، وأن يكون ذلك عن طريق مزايداتٍ علنية بمظاريف مغلقة، وعلى وفق القواعد والشروط التي يصدِرُها ذلك الوزيرُ.

وحيث إن الثابت بالأوراق أنه بتاريخ 29/10/2013 أعلن قطاعُ التجارة الخارجية بوزارة الصناعة والتجارة عن إجراء مزايدة عامة بتاريخ 7/11/2013 لإصدار تراخيص تصدير الأرز المضروب، مقابل رسمِ صادرٍ إضافي لموسم 2013/2014، وأن الشركة المطعون ضدها تقدمت إلى تلك المزايدة، وتمت الترسية عليها لتصدير 5000 طن من إجمالي كميةٍ مقدارُها 102350 طنًا، إلا أنه بتاريخ 21/11/2013 أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 17/11/13/3 بوقف تصدير الأرز إلى حين استيفاء الاحتياجات الخاصة بالسوق المحلي.

وحيث إن المادة (89) من القانون المدني، الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، تنص على أنه: “يتمُّ العقدُ بمجرد أن يتبادل طرفاه التعبيرَ عن إرادتين متطابقتين، مع مُراعاة ما يقرِّرُه القانونُ فوق ذلك من أوضاع معينة لانعقاد العقد”.

فقد أوضح المشرع بموجب هذا النص أن العقد ينعقدُ بمجرد أن يتبادل طرفاه التعبيرَ عن إرادتين متطابقتين، أي أن يتطابق القبول والإيجاب فيما يتعلق بمحل العقد.

وقد اتفق الفقه والقضاء الإداريان على أن ما يصدر عن الطرف المتعاقد مع جهة الإدارة هو الإيجاب، وأن ما يصدر عن جهة الإدارة هو القبول، أما الإعلان عن المناقصة أو المزايدة فلا يعدو أن يكون مجردَ دعوةٍ إلى التعاقد.

وعلى ذلك فإذا ما أعلنت جهةُ الإدارة عن عزمها في التعاقد بطريق المزايدة أو المناقصة، فتقدم الطرفُ الآخر في هذه المزايدة أو المناقصة، وتمَّ إرساؤها عليه، إلا أن جهة الإدارة لم تمضِ في إجراءات التعاقد إلى منتهاها، ولم تقم السلطة المختصة بتوقيع العقد، فإنه لا يكون هناك قبولٌ قد صادفَ الإيجابَ الصادر عن الطرف الآخر، ومن ثمَّ فلا يكون هناك عقدٌ تمَّ إبرامُه.

والثابت من الأوراق أن جهة الإدارة قد عدلت عن إتمام التعاقد مع الشركة المدعية وغيرها مِمَّنْ رست عليهم المزايدة، وذلك ما ذكره المدعي نفسه بصحيفة الدعوى من أن الشركة التي يمثلها أرسلت مندوبًا عنها لسداد مبلغ التأمين النهائي، فرفضت جهة الإدارة تسلمَه، ولا ريب في أن سداد التأمين النهائي هو إجراء لازم لإتمام التعاقد.

وعلى ذلك فإن القرار الصادر عن رئيس مجلس الوزراء رقم 17/11/13/3 بتاريخ 21/11/2013 بوقف تصدير الأرز إلى حين استيفاء احتياجات السوق المحلي يكون قد صدر قبل إبرام العقد مع الشركة المطعون ضدها، وفي حدود سلطة جهة الإدارة المخولة لها في إتمام التعاقد من عدمه، وهو ما يتسق مع ما ورد بالبند (6) من كراسة شروط المزايدة العامة رقم (1) موسم 2013/2014 جلسة 10/11/2013 لإصدار تراخيص تصدير الأرز الأبيض، من أنه للجنة البت الحق في زيادة الكمية المطروحة في المزايدة أو إنقاصها أو إلغائها دون إبداء أسباب؛ لأن هذا الحق وإن كان مخوَّلا للجنة البتِّ، فمن باب أولى يكون مخوَّلا للسلطة المختصة.

ولا يرد على ذلك القول بأن قيام جهة الإدارة باختيار المزايدة كأسلوب للتعاقد لإصدار تراخيص تصدير الأرز يعني التقيد بأثرها الوارد بقانون تنظيم المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 1998، والذي يقضي بانعقاد العقد بمجرد إرساء المزايدة دون توقف على توقيع العقد من السلطة المختصة؛ ذلك لأن قيام جهة الإدارة باستعارة بعض القواعد القانونية لتطبيقها في مجالٍ معين يكون مقصورًا على ما ابتغته من هذه القواعد وفي حدودها. والواضح أن جهة الإدارة قد استلهمت أسلوبَ المزايدة العلنية بالمظاريف المغلقة كأسلوبٍ لاختيار مَنْ يُمنَح تراخيص تصدير الأرز؛ باعتبارها أسلوبًا يحقق أعلى عائد للخزانة العامة، دون استصحاب أحكام قانون تنظيم المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 1998، بدليل أنها ضمنت كراسة الشروط بندًا يخوِّلُ لجنةَ البتِّ الحقَّ في إلغاء العملية دون إبداءِ أسباب.

ومتى كان ما تقدم، فإن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 17/11/13/3 المشار إليه يكون قد صدر متفقًا وأحكام القانون، الأمر الذي ينتفي معه وقوعُ خطأٍ من جانب جهة الإدارة، وينتفي من ثمَّ في جانبها مُوجِبُ التعويض، دون حاجة إلى بحث ركن الضرر وعلاقة السببية.

وإذ انتهى الحكم المطعون عليه إلى غير هذه النتيجة، فإنه يكون قد خالف القانون، وهو ما يتعين معه القضاءُ بإلغائه، والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وإلزام المطعون ضده المصروفات عن الدرجتين عملا بحكم المادة (270) من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وبإلغاء الحكم المطعون عليه، والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وألزمت المطعون ضده المصروفات عن الدرجتين.

error: المحتوى محمي من النسخ او الطباعة