جلسة 28 من إبريل سنة 2015 الطعن رقم 5764 لسنة 56 القضائية (عليا) (الدائرة الثالثة)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ محمد عبد الحميد عبد اللطيف
نائب رئيس مجلس الدولة
وعضـــويـة السـادة الأسـاتــذة المستشـارين/ أحمد عبد الراضي محمد، وجمال يوسف زكي علي، والسيد محمد محمود رمضان، ومحمد محمد السعيد محمد.
نــواب رئيس مجلس الدولـة
المبادئ المستخلصة:
إثراء بلا سبب- ماهيته- هو مصدر مستقل من مصادر الالتزام، يقوم على أركان ثلاثة: هي إثراءٌ في جانب المدين، يترتب عليه افتقارٌ في جانب الدائن، دون أن يكون هناك سبب لهذا الإثراء- الإثراء قد يكون إيجابيا، يتحقق بإضافة قيمة مالية إلى ذمة المدين، وقد يكون سلبيا كمن يفي بدين على آخر عن طريق النقص فيما عليه من ديون دون أن يكون الموفي ملزما قانونا بهذا الوفاء، ويلتزم المدين بتعويض ذلك الشخص بقدر ما دفعه- تسقط دعوى التعويض عن الإثراء بلا سبب بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ علم من لحقته الخسارة بحقه في التعويض، كما تسقط تلك الدعوى في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من تاريخ نشوء هذا الحق.
– المادتان رقما (179) و(180) من القانون المدني.

الإجراءات
بتاريخ 4/1/2010 أودع وكيل الطاعن سكرتارية هذه المحكمة تقرير طعن قيد بجدولها بالرقم المشار إليه بعاليه، طعنا على الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري (دائرة العقود) في الدعوى رقم 24479 لسنة 58ق بجلسة 17/11/2009، القاضي بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلزام المدعى عليه الأول (الطاعن) أن يؤدى إلى المدعي بصفته مبلغا مقداره (8821) جنيها، مع إلزامه بالمصروفات.
وطلب الطاعن في ختام تقرير الطعن -للأسباب الواردة به- الحكم بقبول الطعن شكلا، وبوقف تنفيذ ثم إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا برفض الدعوى، مع إلزام المدعي (المطعون ضده) بصفته المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وتم إعلان تقرير الطعن إلى المطعون ضده بصفته على النحو الثابت بالأوراق.
وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا برفض الدعوى لسقوط الحق المطالب به بالتقادم الثلاثي، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
وتدوول نظر الطعن أمام الدائرة الثانية عليا (فحص) على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وبجلستها المنعقدة في 13/5/2013 قررت الدائرة المذكورة إحالة الطعن إلى الدائرة الثالثة عليا (فحص) للاختصاص.
ونفاذا لهذا القرار ورد الطعن إلى دائرة الفحص بهذه المحكمة حيث نظرته بجلساتها على النحو الثابت بمحاضرها، وبجلسة 21/5/2014 قررت تلك الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة (دائرة الموضوع) لنظره بجلسة 14/10/2014 حيث ورد الطعن ونظرته المحكمة بتلك الجلسة، وبجلسة 18/11/2014 قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة 3/2/2015 وصرحت بمذكرات للجهة الإدارية والطاعن في أسبوعين، وخلال هذا الأجل لم تقدم أية مذكرات، وبتلك الجلسة تقرر مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم، حيث صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانونا.
وحيث إن الطعن قد أقيم في الميعاد واستوفى أوضاعه الشكلية المقررة فمن ثم يكون مقبولا شكلا.
وحيث إن عناصر المنازعة تخلص- حسبما يبين من الأوراق- في أن المطعون ضده بصفته سبق أن أقام الدعوى رقم 24479 لسنة 58 ق بموجب عريضة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بتاريخ 14/6/2004 ضد الطاعن ووالده، وطلب في ختامها الحكم بإلزام المدعى عليهما أن يؤديا له مبلغا مقداره (8821) جنيها وفوائده القانونية بواقع (4%) سنويا من تاريخ المطالبة القضائية وحتى تمام السداد، مع إلزامهما المصروفات.
وذلك على سند من القول أنه بتاريخ 27/4/1991 وافقت اللجنة التنفيذية للبعثات على سفر المدعي عليه الأول (الطاعن) في بعثة إلى ألمانيا لمدة سنة من 29/4/1991 ثم قررت اللجنة الموافقة على مد البعثة لمدة تسعة أشهر لاستكماله دراسته، وأثناء فترة وجوده بألمانيا تقدمت زوجته وتدعي/ …للإدارة العامة للبعثات وطلبت السفر لزوجها وقدمت المستندات إلى الإدارة المذكورة، ومنها شهادة طبية تفيد بأنها (غير حامل) وبتاريخ 29/11/1991 سافرت لمقر دراسته بألمانيا وبعد سفرها بمدة شهر وعشرة أيام، بتاريخ 10/1/1992 وضعت الزوجة المذكورة مولودتها بالمستشفى الجامعي بألمانيا، ثم عاد المدعى عليه الأول (الطاعن) إلى أرض الوطن بتاريخ 29/1/1993، وعاد للخدمة بكلية العلوم بجامعة المنوفية، وبتاريخ 11/6/1998 ورد إلى إدارة البعثات خطاب من المكتب الثقافي بسفارة جمهورية مصر العربية ببون بمطالبة المستشفى الجامعي التي وضعت بها زوجة المبعوث (الطاعن) بدفع مبلغ (4857.16) مارك ألماني نظير وضع زوجته في المستشفى، لأن حالات الوضع تخرج عن العلاج الخاص بالتأمين الصحي للمبعوثين وأسرهم بالخارج، وأن المكتب الثقافي اضطر لدفع المبلغ إلى المستشفى حفاظا على العلاقات الخارجية، وأن المدعى عليه الأول (الطاعن) كان قد سدد من ذلك المبلغ مبلغا مقداره (700) مارك ألماني قبل عودته إلى أرض الوطن والمتبقى عليه مبلغ (4157.16) مارك ألماني، ولما لم تجد المطالبة الودية نفعا فقد لجأ المدعي بصفته (المطعون ضده) إلى إقامة الدعوى المطعون على الحكم الصادر فيها بطلباته المشار إليها.
………………………………………………….
وبجلسة 17/11/2009 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها المطعون فيه، وشيدته تأسيسا على أن الثابت من الأوراق أن المدعى عليه الأول (الطاعن) قد أوفد في بعثة دراسية إلى ألمانيا الغربية بتاريخ 29/4/1991 ثم تقدمت زوجته السيدة/… بطلب إلى الإدارة العامة للبعثات للسفر إلى زوجها، وقدمت شهادة طبية مؤرخة في 19/8/1991 تفيد أنها غير حامل فوافقت لها الإدارة وسافرت بتاريخ 29/11/1991 وبتاريخ 10/1/1992 وضعت مولودة بالمستشفى الجامعي بألمانيا، وقد طالبت المستشفى زوجها المدعى عليه الأول (الطاعن) بسداد مبلغ (4857) مارك ألماني نظير المعاملة الطبية التي لاقتها زوجته أثناء الوضع، ونظرا لأن شركة التأمين أفادت بعدم تحملها هذا المبلغ لخروج تلك المعاملة الطبية عن إطار التأمين الصحي، فقام المدعى عليه الأول بسداد مبلغ (700) مارك ألماني للمستشفى خلال الفترة من يونيو 1992 حتى ديسمبر 1992 بواقع (100) مارك شهريا ثم عاد إلى أرض الوطن بتاريخ 29/1/1993 بعد انتهاء فترة بعثته، وبعد ذلك قامت إدارة المستشفى بمخاطبة المكتب الثقافي ومكتب البعثة التعليمية ببون لسداد باقي تكاليف المعاملة الطبية لزوجة المدعى عليه الأول، وأنه حفاظا على العلاقات الخارجية اضطر المكتب المذكور لدفع المبلغ المطالب به وهو 4157 مارك ألماني دون الفوائد التي كانت مقررة على هذا المبلغ، وأضافت المحكمة أن امتناع المدعى عليه الأول (الطاعن) عن دفع تكاليف وضع زوجته بالمستشفى الجامعي الألماني يعتبر إثراء بلا سبب، وبالتالي فإن مطالبة إدارة البعثات له بسداد ذلك المبلغ ومقداره (8821) جنيها مصريا يكون متفقا وصحيح حكم القانون، وخلصت المحكمة إلى قضائها- المطعون فيه- بإلزام المدعى عليه الأول بدفع ذلك المبلغ، ورفضت طلب إلزامه بالفوائد القانونية.
………………………………………………….
وإذ لم يلق هذا القضاء قبولا لدى الطاعن فقد أقام الطعن الماثل ناعيا على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون لأسباب حاصلها أن دعوى التعويض عن الإثراء بلا سبب تتقادم بمرور ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه من لحقته الخسارة (المفتقر) بحقه في التعويض، وأن واقعة وضع زوجته في يناير 1992 ولم ترفع عنها الدعوى إلا في 14/6/2004 أي بعد مضي أربعة عشر عاما ونصف، كما أن أجور الأطباء أيضا تتقادم بمرور خمس سنوات وقد انتهت هذه المدة بدورها من يناير 1992 حتى إقامة الدعوى وأن الجهة الإدارية المطعون ضدها لم تقدم أي دليل يفيد قيامها بسداد تكاليف علاج زوجته بالمستشفى الجامعي بألمانيا. وخلص الطاعن في تقرير طعنه إلى الطلبات المشار إليها.
………………………………………………….
وحيث إن المادة (179) من القانون المدني تنص على أن: “كل شخص، ولو غير مميز، يثرى دون سبب مشروع على حساب شخص آخر يلتزم في حدود ما أثرى به بتعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة، ويبقى هذا الالتزام قائما ولو زال الإثراء فيما بعد”.
وتنص المادة (180) من ذات القانون على أنه: “تسقط دعوى التعويض عن الإثراء بلا سبب بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه من لحقته الخسارة بحقه في التعويض، وتسقط الدعوى كذلك في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي ينشأ فيه الحق”.
وحيث إن مفاد ما تقدم أن الإثراء بلا سبب مصدر مستقل من مصادر الالتزام، يقوم على أركان ثلاثة هي، إثراء في جانب المدين، يترتب عليه افتقار في جانب الدائن، دون أن يكون هناك سبب لهذا الإثراء، وسواء كان ذلك الإثراء إيجابيا، يتحقق بإضافة قيمة مالية إلى ذمة المدين، أم كان سلبيا، كمن يفي بدين على آخر، فقد أثرى هذا الأخير إثراء سلبيا عن طريق النقص فيما عليه من ديونه، وبذلك من يفي بدين على شخص آخر دون أن يكون الموفي ملزما قانونا بهذا الوفاء، فقد تحقق افتقار في حق الدائن (الموفي) ترتب عليه إثراء في حق المدين دون سبب، فيلتزم المدين في هذه الحالة بتعويض ذلك الشخص بقدر ما دفعه- في حدود ما أثرى به- وتسقط دعوى التعويض عن الإثراء بلا سبب بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه من لحقته الخسارة بحقه في التعويض، كما تسقط تلك الدعوى في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي ينشأ فيه هذا الحق.
وحيث إنه متى كان ذلك وكان الثابت من الأوراق أن الطاعن كان قد أوفد في بعثة علمية إلى ألمانيا في الفترة من 29/4/1991 حتى 29/1/1993، وخلال تلك الفترة تقدمت زوجته السيدة/… بطلبها إلى الإدارة العامة للبعثات للموافقة على سفرها لزوجها (الطاعن) بألمانيا، وقدمت شهادة طبية تفيد بأنها غير حامل، وعليه فقد وافقت لها الإدارة المذكورة على السفر لزوجها، وبتاريخ 29/11/1991 سافرت المذكورة، وبتاريخ 10/1/1992 دخلت المستشفى الجامعي بألمانيا ووضعت مولودتها، وعقب خروجها، طالب المستشفى زوجها المبعوث (الطاعن) بسداد تكاليف الرعاية الطبية لزوجته نظرا لأن شركة التأمين لم تدفع تلك التكاليف لخروجها عن النطاق التأميني لعضو البعثة التعليمية، وقد قام الطاعن بسداد جزء من تلك التكاليف وبلغ جملة ما سدده مبلغا مقداره (700) مارك ألماني على أقساط بواقع (100) مارك ألماني شهريا خلال الفترة من يونيه حتى ديسمبر 1992، ثم عاد إلى الوطن بتاريخ 29/1/1993 قبل أن يستكمل سداد كامل المبلغ المستحق عليه للمستشفى حيث تبقى عليه مبلغ (4175) مارك ألماني، فاضطر المركز الثقافي المصري ببون بألمانيا إلى سداد ذلك المبلغ المتبقي على الطاعن؛ وذلك للحفاظ على العلاقات الدولية، ثم أرسل كتابا إلى الإدارة العامة للبعثات بتاريخ 11/6/1998 مرفقا به فاتورة المستشفى المذكور وطلب إلزام عضو البعثة (الطاعن) بذلك المبلغ الذي وفاه المكتب ولم يكن ملزما بذلك الوفاء أو ضامنا له بل قام بوفاء الدين المستحق على الطاعن فيحق له الرجوع عليه بقدر ما دفعه.
وحيث إن الطاعن قد عاد ويعلم أنه مدين بمبلغ الدين المتبقى من تكاليف الرعاية الطبية لزوجته، وقد اضطر معه المكتب الثقافي المصري لدفع ذلك الدين؛ حفاظا على العلاقات الدولية، ومن ثم يكون المكتب الثقافي قد لحقته خسارة بسبب هذا الوفاء- في الوقت الذي أثرى الطاعن في حدود مبلغ الدين المستحق عليه ولم يقم بوفائه للدائن، مما يحق معه للجهة الإدارية مطالبة الطاعن برد ذلك المبلغ بدعوى الإثراء بلا سبب شريطة أن يكون ذلك خلال ثلاث سنوات من تاريخ علمها بحقها في التعويض.
وحيث إن الثابت من الأوراق على نحو ما أسلفت المحكمة بيانه أن الجهة الإدارية قد علمت بحقها في التعويض بتاريخ 11/6/1998 تاريخ إخطار المكتب الثقافي المصري ببون لإدارة البعثات وطلبه إلزام الطاعن بالمبلغ الذي وفاه للدين المستحق على الطاعن، ومن ثم فقد كان متعينا على الجهة الإدارية أن تبادر إلى إقامة الدعوى بالمطالبة بحقها خلال ثلاث سنوات من ذلك التاريخ (11/6/1998) أي في موعد أقصاه 11/6/2001، أما أنها وقد تراخت ولم ترفع دعواها بالمطالبة بحقها إلا في 14/6/2004 فمن ثم تكون دعواها قد سقطت بانقضاء المدة المقررة قانونا لرفعها، ويتعين لذلك القضاء بسقوط الدعوى بالتقادم.
وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد صدر على خلاف حكم القانون جديرا بالإلغاء، والقضاء مجددا بسقوط الدعوى بالتقادم.
وحيث إن من يخسر الطعن يلزم المصروفات عملا بحكم المادة 184 مرافعات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بسقوط الدعوى بالتقادم، وألزمت الجهة الإدارية المطعون ضدها المصروفات عن درجتي التقاضي.

error: المحتوى محمي من النسخ او الطباعة