الطعن رقم 10787 لسنة 58 القضائية الدائرة السادسة

برئاسة السيد الأستاذ المستشار / محمد عبدالرحمن محمد القفطي

                                                                                                                           نائب رئيس مجلس الدولة

                                                                                                                                    ورئيس المحكمة

وعضـــويــة السـادة الأســاتـذة المستشــارين / محمود شعبان حسين رمضان،

عبدالحكم محمود نور الدين محمود،

أحمد فوزى حافظ الخولى،

محمد عبدالحميد ربيعي عبدالجليل.

                                                                      نـــواب رئيس مجلس الدولـة

المبادىء المستخلصة:

جامعات ــ شئون طلاب ــ دراسات عليا

(أ) قواعد الرأفة ــ العلة منها هى إقالة عثرة الطلاب ورفع تقديراتهم لظروف أملتها طبيعة الدراسة في مادة معينة أو ظروف امتحاناتها ــ مجلس الجامعة يتمتع في نطاق تنظيمه لقواعد الرأفة بسلطة تقديرية واسعة منحاً ومنعاً وتنظيماً ــ ليس ثمة إلزام على مجلس الجامعة أن يقر قواعد للرأفة على نمط محدد، أو في شكل معين:

  • الأصل العام أن حالة الطالب تتحدد في ضوء تحصيله العلمي وما ناله من درجات فعلية عن إجاباته في الامتحان الذي يعقد لقياس مستواه العلمي، أو في أبحاثه التي أعدها لذلك، غير أن ثمة ما يدعو إلى الخروج عن هذا الأصل العام في بعض الكليات أو المعاهد ببعض الجامعات.
  • قواعد الرأفة والجبر والرفع والتيسير هي بطبيعتها متغيرة من جامعة إلى أخرى، وداخل الجامعة من كلية إلى أخرى وفي المادة الواحدة من فرقة إلى أخرى وفي الفرقة الواحدة من عام جامعي إلى آخر، آية ذلك أن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، وعلة إقرار قواعد الرأفة ــ في مجمل صورها ــ هي إقالة عثرة الطلاب ورفع تقديراتهم لظروف أملتها طبيعة الدراسة في مادة معينة أو ظروف امتحاناتها.
  • ناط المشرع في قانون تنظيم الجامعات بمجلس كل جامعة من الجامعات الخاضعة لأحكامه ــ كل في نطاق جامعته ــ وضع النظام الملائم لأعمال الامتحانات، وذلك في إطار السياسة العامة للتعليم التي يرسمها المجلس الأعلى للجامعات، ومن ثم فإن مجلس الجامعة يتمتع في نطاق تنظيمه لقواعد الرأفة بسلطة تقديرية واسعة منحاً ومنعاً وتنظيماً ولا يحد سلطته في هذا الشأن إلا قيد عدم إساءة استعمال السلطة والانحراف بها عن جادة الصالح العام، والتزامه بما صدر من قواعد مماثلة بأداة تشريعية أعلى، احتراماً لمبدأ تدرج القواعد التشريعية، وعدم الإخلال بالمبادئ الدستورية والقانونية العامة التي تمثل الأطر العامة لأي قاعدة قانونية ــ أثر ذلك : ليس ثمة إلزام على مجلس الجامعة أن يقر قواعد للرأفة على نمط محدد، أو في شكل معين.
  • القضاء الإداري إما أن يطبق قواعد الرأفة المعمول بها في الجامعة إذا قدر أن هذه القواعد خالية من العيوب الدستورية والقانونية، أو أن يقضي بإلغائها كلياً أو جزئياً إذا تيقن من مخالفتها للدستور والقانون، غير أنه في الحالة الأخيرة لا يجوز له استدعاء قواعد أخرى للرأفة أقرتها جامعة أخرى وإنما يعود الأمر إلى مجلس الجامعة المختص لتدارك ما شاب قواعده من مثالب وإقرارها من جديد متقيداً في ذلك بالضوابط التي سلف بيانها.

(ب) مبدأ المساواة أمام القانون ــ أثره بالنسبة لنظام قواعد الرأفة:

  • مبدأ المساواة أمام القانون لا يعني أن تعامل فئات المواطنين، على تباين مراكزهم القانونية، معاملة قانونية متكافئة ــ نظراً لاختلاف المراكز القانونية لطلاب كل جامعة عن أخرى وكل كلية عن أخرى، فإنه يتحتم التمايز بين قواعد الرأفة والتيسير التي تقرها كل جامعة على حدة، ويتأبى في الوقت ذاته فرض نظام عام جامد لهذه القواعد على الجامعات كافة على ما بينها من تباين في نظم الدراسة والامتحان.

الإجـــراءات

في يوم الاثنين الموافق 27/2/2012 أودع الأستاذ / محمد علي بيومي، المحامي، قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا، تقريراً بالطعن، قيد بجدولها بالرقم المسطر أعلاه، في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالقاهرة ـ الدائرة السادسة ـ بجلسة 27/11/2011 في الدعوى رقم 2229لسنة64ق.عليا، والذي قضى بقبول الدعوى شكلاً، ورفضها موضوعاً، وإلزام المدعي المصروفات.

وطلب الطاعن، للأسباب المبينة بتقرير الطعن، الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجدداً بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر بإعلان نتيجته في دبلوم القانون العام فيما تضمنه من اعتباره راسباً في مادة القانون الدستوري، مع ما يترتب على ذلك من آثار أهمها اعتباره ناجحاً في هذه المادة، وحاصلاً على دبلوم القانون العام، ومنحه الشهادة الدالة على ذلك، ومنحه شهادة الماجستير، وإلزام الجامعة المطعون ضدها المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

وأعلن المطعون ضدهما “بصفتيهما”، على الوجه المقرر قانوناً، وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسبباً بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجدداً بإلغاء القرار المطعون فيه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجامعة المطعون ضدها المصروفات عن درجتي التقاضي.

ونظرت الدائرة السادسة ـ فحص طعون ـ بالمحكمة الإدارية العليا الطعن، وبجلسة 1/11/2016 قررت إحالته إلى الدائرة السادسة ـ موضوع ـ لنظره بجلسة 23/11/2016، فنظرته المحكمة بهذه الجلسة، وتدوول نظره أمامها، على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 22/3/2017 قررت وقف الطعن تعليقاً وإحالته إلى الدائرة المشكلة طبقاً لنص المادة (54 مكرراً) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47لسنة1972 المضافة بالقانون رقم 136لسنة1984 وذلك للعدول عن المبدأ الذي قضت به المحكمة الإدارية العليا بالأحكام المنوه عنها بقرار الإحالة، وتدوول نظر الطعن أمام دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا، على النحو المبين بمحاضر جلساتها، وبجلسة 1/2/2020 قررت إعادة الطعن إلى الدائرة المختصة ـ السادسة موضوع ـ للفصل فيه، ونفاذاً لذلك عجلت المحكمة نظر الطعن لجلسة 11/3/2020، وتدوول نظره أمامها، على النحو المفصل بمحاضر الجلسات، حيث كلفت الطاعن بتقديم بيان رسمي بموقفه الدراسي الحالي، ومذكرة تبين وجه مصلحته في الاستمرار في نظر الطعن، فلم يحضر رغم تكرار إخطاره بالجلسات، وبجلسة 26/8/2020 قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعن بجلسة اليوم، وفيها صدر، وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمـــــــة

بعد الاطلاع على الأوراق , وسماع الإيضاحات، والمداولة.

وحيث إن الطاعن يطلب الحكم بطلباته آنفة البيان.

وحيث إن الحكم المطعون فيه صدر بتاريخ 27/11/2011، وخلال الستين يوماً التالية لصدوره وبتاريخ 22/1/2012 تقدم الطاعن بطلب إلى لجنة المساعدة القضائية حمل رقم 103لسنة58ق.عليا، لإعفائه من الرسوم، وبتاريخ 21/2/2012 تقرر قبول طلبه، فبادر الطاعن بإقامة طعنه الماثل بتاريخ 27/2/2012، ومن ثم يكون قد أقيم في الموعد المقرر قانوناً، وإذ استوفى سائر أوضاعه الشكلية الأخرى فمن ثم تقضي المحكمة بقبوله شكلاً.

وحيث إن واقعات هذا النزاع تخلص في أنه بتاريخ 21/10/2009 أقام الطاعن الدعوى رقم 2229لسنة64ق أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة ضد المطعون ضدهما “بصفتيهما” بطلب الحكم بوقف تنفيذ ثم إلغاء القرار المطعون فيه الصادر بإعلان نتيجته في دبلوم القانون العام في العام الجامعي 2008/2009 فيما تضمنه من اعتباره راسباً في مادة القانون الدستوري، مع ما يترتب على ذلك من آثار أهمها اعتباره ناجحاً في هذه المادة وحاصلاً على دبلوم القانون العام، ومنحه الشهادة الدالة على ذلك، ومنحه شهادة بحصوله على درجة الماجستير، وذلك على سند من أنه حصل على دبلوم القانون الاجتماعي بتقدير مقبول في العام الجامعي 2006/2007، وفي العام الجامعي 2007/2008 التحق بدبلوم القانون العام واستكمل دراسته به في العام الجامعي 2008/2009 وأدى الامتحانات المقررة، ولدى إعلان النتيجة فوجئ برسوبه لحصوله على 12/20 درجة (اثنتي عشرة درجة من عشرين درجة) في مادة القانون الدستوري، مع أنه يستحق درجتين لتغيير حالته من راسب إلى ناجح في هذه المادة ومن ثم حصوله على دبلوم القانون العام وعلى درجة الماجستير، وفقاً لقواعد الرأفة المعمول بها، والتي باتت بمثابة عرف ملزم يتعين العمل بها، ومع ذلك لم يمنح الدرجتين المطلوبتين، الأمر الذي حدا به إلى إقامة دعواه بطلباته المبينة سلفاً.

وبجلسة 27/11/2011 أصدرت محكمة القضاء الإداري ـ الدائرة السادسة ـ حكمها المطعون فيه، والذي قضى بقبول الدعوى شكلاً، ورفضها موضوعاً، وشيدت قضاءها على أن قواعد الرأفة في دبلومات الدراسات العليا التي وافق مجلس جامعة حلوان بجلسته رقم 1375 المنعقدة بتاريخ 29/6/2010 على تطبيقها تقضي باستحقاق الطالب درجة واحدة للرأفة عن جميع المواد التي امتحن فيها خلال العام بشرط أن تؤدي هذه الدرجة إلى تغيير حالته من راسب إلى ناجح، أما الطلاب المعرضون لإلغاء قيدهم بالدبلوم لرسوبهم مرتين فيستحقون الرأفة في حدود درجتين عن جميع المواد بشرط أن تتغير حالتهم من راسب إلى ناجح، وأن الثابت من الأوراق أن المدعي كان مقيداً بدبلوم القانون العام بكلية الحقوق بجامعة حلوان في العام الجامعي 2007/2008 ورسب في دور أكتوبر في خمس مواد، وفي العام الجامعي 2008/2009 اجتاز المواد التي رسب فيها عدا مادة القانون الدستوري التي حصل فيها على 12/20 درجة (اثنتي عشرة درجة من عشرين درجة) وجاءت نتيجته باق للإعادة، ومن ثم فإن قواعد الرأفة المقررة للباقين للإعادة  بالدلوم

والتي تقضي بمنح الطالب درجة واحدة بشرط أن تؤدي إلى تغيير حالته من راسب إلى ناجح لا تجديه نفعاً، كونه يحتاج إلى درجتين للنجاح، ومن ثم يغدو القرار المطعون فيه الصادر بإعلان نتيجته في دبلوم القانون العام فيما تضمنه من رسوبه في مادة القانون الدستوري متفقاً وصحيح القانون، ويضحى طلب إلغائه غير قائم على سند صحيح من القانون متعين الرفض.

وحيث إن مبنى الطعن الماثل أن الحكم المطعون فيه خالف القانون، وأخطأ في تطبيقه وتأويله، وشابه قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال، وذلك تأسيساً على الجامعة المطعون ضدها لم تضع قواعد للرأفة والتيسير بمرحلة الدراسات العليا بكلية الحقوق حتى تاريخ صدور القرار المطعون فيه بإعلان نتيجته، وكان لزاماً إزاء ذلك تطبيق قواعد العرف الجامعي في هذا الشأن ومنحه الدرجتين اللازمتين لنجاحه، ومع ذلك عمد الحكم المطعون فيه إلى مخالفة ذلك وتطبيق القواعد التي أقرها مجلس جامعة حلوان بجلسته رقم 375 بتاريخ 29/6/2010 بأثر رجعي، على حالته، بالمخالفة للقانون وللقواعد الدستورية الراسخة التي تقضي بعدم جواز تطبيق القانون بمعناه الواسع بأثر رجعي.

وحيث إن قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 49لسنة1972 ينص في المادة (7) على أن:

“الجامعات هيئات عامة ذات طابع علمي وثقافي، ولكل منها شخصية اعتبارية………”

وفي المادة (9) على أن: “يتولى إدارة كل جامعة :

أ – مجلس الجامعة.                ب- رئيس الجامعة”.

وفي المادة (12) على أن: للجامعات مجلس أعلى يسمى المجلس الأعلى للجامعات، مقره القاهرة، يتولى تخطيط السياسة العامة للتعليم الجامعي والبحث العلمي والتنسيق بين  الجامعات في أوجه نشاطها المختلفة.

وفي المادة (13) المعدلة بالقانون رقم 142لسنة1994 على أن: الوزير المختص بالتعليم العالي هو الرئيس الأعلى للجامعات ويشرف عليها بحكم منصبه…………”

وفي المادة (19) على أن “يختص المجلس الأعلى للجامعات بالمسائل الآتية:

  • …………………………………
  • التنسيق بين نظم الدراسة والامتحان والدرجات العلمية في الجامعات ………”.

وفي المادة (23) على أن “يختص مجلس الجامعة بالنظر في المسائل الآتية:

أولاً: مسائل التخطيط والتنسيق والتنظيم والمتابعة :

1- ………… 2- ………… 3- ………… 4- ……… 5- ………… 6- …………

13- وضع النظام العام للدروس والمحاضرات والبحوث والتمرينات العملية والانتداب لها.

14- وضع النظام لأعمال الامتحان وللانتداب لها”.

وفي المادة (33) على أن: يختص مجلس شئون التعليم والطلاب بالنظر في المسائل الآتية:

1- ……… 15- الإعفاء من بعض المقررات أو من بعض الامتحانات في مرحلة البكالوريوس أو الليسانس.

وفي المادة (35) على أن “يختص مجلس الدراسات العليا والبحوث بالنظر في المسائل الآتية:

1- …………  2- ………………  17- إعفاء طلاب الدراسات العليا من بعض المقررات الدراسية ومن امتحاناتها”.

وفي المادة (41) على أن ” يختص مجلس الكلية أو المعهد التابع للجامعة بالنظر في المسائل الآتية:

1- …………. .    2- ……………. . 3- ……………… 4- ……………

21- تحديد مواعيد الامتحان ووضع جداوله وتوزيع أعماله وتشكيل لجانه وتحديد واجبات الممتحنين وإقرار مداولات لجان الامتحان ونتائج الامتحانات في الكلية أو المعهد “.

وينص قرار رئيس الجمهورية رقم 809 لسنة 1975 باللائحة التنفيذية للقانون رقم 49لسنة1972 في شأن تنظيم الجامعات في المادة (71) على أنه : ” ……. وتتكون من لجان امتحان المقررات المختلفة لجنة عامة في كل فرقة أو قسم برئاسة العميد أو رئيس القسم حسب الأحوال، وتعرض عليها نتيجة الامتحان لمراجعتها واقتراح ما تراه في شأن مستوى تقديرات الطلاب بالنسبة للمقررات المختلفة وبدون محضر باجتماع اللجنة وتعرض نتيجة مداولاتها على مجلس الكلية لإقرارها”.

ومن حيث إن قواعد التيسير والرأفة والرفع والجبر تتعدد صورها وأشكالها، فمنها ما نص عليه قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 49 لسنة 1972 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 809 لسنة 1975 كالإعفاء من بعض المقررات أو من بعض الامتحانات في مرحلة البكالوريوس والليسانس أو في مرحلة الدراسات العليا المواد (33، 35، 170، 171) من القانون رقم 49 لسنة 1972 المشار إليه أو السماح للطلاب المتعثرين بفرص إضافية لأداء الامتحانات من الخارج (المادة 80 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات) ومنها ما يصدر عن لجان الممتحنين بمنح الطلاب في مادة أو أكثر درجات إضافية لرفع مستوى تقديراتهم فيها، وفقاً لما نصت عليه المادة (71) من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، ومنها ما يصدر عن مجلس الجامعة المختص من قواعد للرأفة والجبر لتغيير حالة الطالب من الرسوب إلى النجاح أو لرفع تقديره إلى التقدير الأعلى، استناداً إلى السلطة المخولة له بمقتضى نص المادة (23) من القانون رقم 49 لسنة 1972 بوضع النظام العام لأعمال الامتحان.

وحيث إن الأصل العام أن حالة الطالب، نجاحاً أو رسوباً، ومرتبة نجاحه، وترتيبه بين أقرانه من الطلاب في سنين الدراسة المختلفة، وفي أية مرحلة من مراحل الدراسة سواء في مرحلة البكالوريوس أو الليسانس أو في مرحلة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، تتحدد في ضوء تحصيله العلمي وما ناله من درجات فعلية عن إجاباته في الامتحان الذي يعقد لقياس مستواه العلمي، أو في أبحاثه التي أعدها لذلك، بحسبان ذلك المقياس العادل الذي يسهم في إعداد الإنسان المزود بأصول المعرفة وطرائق البحث المتقدمة، والقسطاس المستقيم الذي يفرق بين طلاب العلم نجاحاً ورسوباً وتقديراً وترتيباً، فينال كل طالب ما يستحق من درجات وتقدير وترتيب بين أقرانه على ضوء ما يحصله من المعارف وما امتاز به من مهارات وقدرات وما شاب عمله أو تحصيله أو إجاباته من قصور.

غير أن ثمة ما يدعو إلى الخروج عن هذا الأصل العام في بعض الكليات أو المعاهد ببعض الجامعات، سواء في مادة أو أكثر نظراً لطبيعة النظام الدراسي المتبع أو نظام الامتحان، فتلجأ لجان الممتحنين تارة إلى منح الطلاب درجات تحددها لرفع تقديراتهم في هذه المواد ويقرها مجلس الكلية أو المعهد المختص، وتارة أخرى تقرر الجامعة المختصة قواعد للرأفة والرفع لإقالة عثرة بعض الطلاب أو لرفع تقديراتهم، وذلك استناداً إلى السلطة المخولة لها بمقتضى نص المادة (23) من القانون رقم 49لسنة1972 المشار إليه بوضع النظام العام لأعمال الامتحان.

ومن ثم فإن قواعد الرأفة والجبر والرفع والتيسير هي بطبيعتها متغيرة من جامعة إلى أخرى، وداخل الجامعة من كلية إلى أخرى وفي المادة الواحدة من فرقة إلى أخرى وفي الفرقة الواحدة من عام جامعي إلى آخر فما قد يصلح لكلية من الكليات داخل الجامعة الواحدة قد لا يصلح لغيرها من الكليات، وما تدعو إليه الحاجة لوضع مثل هذه القواعد في سنة معينة قد لا يصلح للسنة التالية لها، آية ذلك أن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، وعلة إقرار قواعد الرأفة ــ في مجمل صورها ــ هي إقالة عثرة الطلاب ورفع تقديراتهم لظروف أملتها طبيعة الدراسة في مادة معينة أو ظروف امتحاناتها، وقد لا تقوم هذه الظروف بشكل دوري، وقد لا تدعوا الحاجة إلى إقرار مثل هذه القواعد، بل قد تتعارض تلك القواعد وطبيعة الدراسة في مرحلة معينة، أو في مادة معينة، وقد تأباها طبيعة المرحلة الدراسية التي يدرس بها الطالب، على نحو يغدو معه فرض نظام موحد لقواعد الرأفة ورفع الدرجات يحكم الدارسين بكل الجامعات المصرية والكليات والمعاهد التابعة لها والخاضعة للقانون رقم 49 لسنة 1972 المشار إليه أمراً لا يستقيم البتة والغاية التي تنشدها هذه القواعد.

وحيث إن المشرع في قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 49 لسنة 1972 قد ناط بمجلس كل جامعة من الجامعات الخاضعة لأحكامه ــ كل في نطاق جامعته ــ وضع النظام الملائم لأعمال الامتحانات، وذلك في إطار السياسة العامة للتعليم التي يرسمها المجلس الأعلى للجامعات، ومن ثم فإن مجلس الجامعة يتمتع في نطاق تنظيمه لقواعد الرأفة بسلطة تقديرية واسعة منحاً ومنعاً وتنظيماً ولا يحد سلطته في هذا الشأن إلا قيد عدم إساءة استعمال السلطة والانحراف بها عن جادة الصالح العام، والتزامه بما صدر من قواعد مماثلة بأداة تشريعية أعلى، احتراماً لمبدأ تدرج القواعد التشريعية، وعدم الإخلال بالمبادئ الدستورية والقانونية العامة التي تمثل الأطر العامة لأي قاعدة قانونية.

وفي ضوء ذلك فليس ثمة إلزام على مجلس الجامعة أن يقر قواعد للرأفة على نمط محدد، أو في شكل معين، وإنما تتمثل جوهر سلطته التقديرية في هذا الشأن في المفاضلة بين البدائل المطروحة، واختيار أنسبها بما يراه محققاً للغاية المنشودة من التعليم الجامعي بالنظر إلى واقع الدراسة ونظامها بكل كلية أو معهد من كليات الجامعة ومعاهدها، متحرراً في ذلك من قيود المماثلة والمشابهة والمناظرة لجامعات أخرى، فلمجلس الجامعة أن يضع قواعد للرأفة في مرحلة دراسية معينة وله ألا يضعها، وإذا أقرها في مرحلة دراسية ما، يتعين أن يحدد بوضوح أطرها وضوابط استحقاقها ومقدارها، وبات القضاء ملزماً بتطبيق هذه القواعد ــ منحاً ومنعاً ــ ما دامت هذه القواعد قد التزمت الضوابط السالف بيانها.

ولا يحق له أن يتجاوزها إلى تطبيق قواعد أخرى أقرتها جامعة أخرى، والقضاء الإداري في هذا الشأن إما أن يطبق قواعد الرأفة المعمول بها في الجامعة إذا قدر أن هذه القواعد خالية من العيوب الدستورية والقانونية، أو أن يقضي بإلغائها كلياً أو جزئياً إذا تيقن من مخالفتها للدستور والقانون، غير أنه في الحالة الأخيرة لا يجوز له استدعاء قواعد أخرى للرأفة أقرتها جامعة أخرى وإنما يعود الأمر إلى مجلس الجامعة المختص لتدارك ما شاب قواعده من مثالب وإقرارها من جديد متقيداً في ذلك بالضوابط التي سلف بيانها.

ولا محاجّة في هذا الشأن بأن مبدأ المساواة المقرر دستوراً يحتم إقرار نظام عام لقواعد الرأفة لا تتجاوزها أية جامعة إذ أن ذلك مردود بأن مبدأ المساواة أمام القانون ليس مبدأً تلقينياً جامداً منافياً للضرورة العملية، ولا هو بقاعدة صماء تنبذ صور التمييز جميعها، ولا كافلاً لتلك الدقة الحسابية التي تقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء، وإذا جاز للسلطة التشريعية أن تتخذ بنفسها ما تراه ملائماً من التدابير لتنظيم موضوع محدد، وأن تغاير من خلال هذا التنظيم ــ وفقاً لمقاييس منطقية ــ بين مراكز لا تتحد معطياتها أو تتباين فيما بينها في الأُسس التي تقوم عليها، إلا أن ما يصون مبدأ المساواة ولا ينقص محتواه، هو ذلك التنظيم الذي يقيم تقسيماً تشريعياً ترتبط فيه النصوص القانونية التي يضمها، بالأغراض المشروعة التي يتوخاها. ( حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 29 لسنة 15 قضائية دستورية جلسة 3/5/1997)، وأن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، لا يعني أن تعامل فئاتهم ــ على تباين مراكزهم القانونية ــ معاملة قانونية متكافئة، ولا معارضة صور التمييز على اختلافها، إذ من بينها ما يستند إلى علاقة منطقية بين النصوص القانونية التي تبناها المشرع لتنظيم موضوع معين، والنتائج التي رتبها عليها، ليكون التمييز بالتالي موافقاً لأحكام الدستور التي ينافيها انفصال هذه النصوص عن أهدافها (حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 34لسنة15 قضائية دستورية جلسة 2/3/1996). ونظراً لاختلاف المراكز القانونية لطلاب كل جامعة عن أخرى وكل كلية عن أخرى، وارتباط قواعد التيسير والجبر والرأفة بغايات محددة تتوخاها كل جامعة على حدة في ضوء أنماط الدراسة بها وطبيعة امتحاناتها، فإنه يتحتم التمايز بين قواعد الرأفة والتيسير التي تقرها كل جامعة على حدة، ويتأبى في الوقت ذاته فرض نظام عام جامد لهذه القواعد على الجامعات كافة على ما بينها من تباين في نظم الدراسة والامتحان.

ومتى كان ذلك، وكان مجلس كل جامعة من الجامعات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم 49لسنة1972 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 809لسنة1975 ــ كل في نطاق جامعته ــ هو الجهة التي وسدها القانون سلطة تنظيم قواعد التيسير والرأفة، في غير ما صدر به بهذا الخصوص أداة تشريعية أعلى، ومنحها في هذا الشأن سلطة تقديرية واسعة منحاً ومنعاً وتنظيمياً، وأن ما يصدر عن مجلس كل جامعة في هذا الخصوص أو من مجلس الكلية كل في نطاق اختصاصه هو الواجب التطبيق والذي يحكم المراكز القانونية للطلاب الخاضعين لأحكامه دون سواه بالضوابط المنوه عنها سلفاً، ولا يجوز البتة استدعاء قواعد أخرى مماثلة لم تصدر عن مجلس الجامعة أو مجلس الكلية المختص لما في ذلك من افتئات على اختصاصه الموسد له في هذا الشأن.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان الثابت من الأوراق أن الطاعن قيد بدبلوم القانون العام بكلية الحقوق بجامعة حلوان في العام الجامعي 2007/2008، وأدى الامتحانات المقررة دور أكتوبر سنة 2008، ورسب في خمس مواد، وفي العام الجامعي 2008/2009 أدى الامتحانات المقررة، وأُعلنت نتيجته راسباً وباقياً للإعادة لرسوبه في مادة القانون الدستوري، لحصوله على 12/20 درجة (اثنتي عشرة درجة من عشرين درجة) بينما الحد الأدنى للنجاح هو 14/20 درجة (أربع عشرة درجة من عشرين درجة) ومتى كانت جامعة حلوان، وحتى تاريخ صدور القرار المطعون فيه بإعلان نتيجة الطاعن، لم تكن قد استنت أية قواعد للرأفة بمرحلة الدراسات العليا بكلية الحقوق، وليس ثمة قواعد صادرة بأداة تشريعية أعلى في هذا الخصوص، ومن ثم لا يجوز البتة استدعاء قواعد مماثلة أخرى لم تصدر عن مجلس جامعة حلوان في هذا الشأن، ويغدو القرار المطعون فيه الصادر بإعلان نتيجة الطاعن في دبلوم القانون العام بكلية الحقوق في العام الجامعي 2008/2009 فيما تضمنه من رسوبه في مادة القانون الدستوري، متفقاً وصحيح القانون، وتغدو الدعوى بطلب إلغائه مفتقرة لسندها الصحيح جديرة بالرفض.

وحيث إن الحكم المطعون فيه خلص إلى ذات النتيجة، وإن اختلفت أسبابه عما تقدم، فمن ثم يكون قد وافق صحيح القانون، ويغدو الطعن الماثل فاقداً لسنده خليقاً بالرفض.

وحيث إن من خسر الطعن يلزم بمصروفاته عملاً بنص المادة (270) من قانون المرافعات المدنية والتجارية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلاً، ورفضه موضوعاً، وألزمت الطاعن المصروفات.

صدر هذا الحكم وتلي علنًا بالجلسة المنعقدة يوم الأربعاء 28 ذو الحجة لسنة 1441هجرية والموافق 16سبتمبر2020 ميلادية بالهيئة المبينة بصدره.

error: المحتوى محمي من النسخ او الطباعة